ktabe
02-10-2008, 08:27 PM
الموت "2" :
توجيه النبي عليه الصلاة والسلام في ذكر الموت،
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة الكرام :
لازلنا في موضوع الموت ، والموت أشد الأحداث واقعيةً في المستقبل ، ما من حدث في المستقبل أشد لصوقاً بالإنسان وأشد واقعيةً من الموت ، والتفكير في هذا الحدث الخطير تفكير جاد ، واقعي ، مهم جداً ، لنرى لماذا وجه النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه الكرام ؟ للإكثار من ذكر الموت ؟
" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ يَعْنِي الْمَوْتَ "
أكثروا ليس الأمر منصباً على هاذم اللذات ، بل على الإكثار من ذكر هاذم اللذات ، وهذا الحديث صحيح والنبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وصيغة هذا الحديث مصدرةٌ بفعل أمر أكثروا .
وفي حديث آخر :
" أكثروا ذكر هادم اللذات ، فإنه ما ذكره أحد في ضيق العيش إلا وسعه عليه ، ولا في سعة إلا ضيقه عليه "
إن كنت غافلاً مع السعة ذكرك الموت بمغادرة الدنيا ، وإن كنت في ضيق مع القلة ذكرك الموت في الآخرة ، فتنسى ما أنت فيه ، الذي أتمناه على أخوتنا الكرام أن يفهموا أن الدين ليس كما يفهم كثير من الناس صومٌ وصلاة وحجٌ وزكاة ، بل والفهم السليم : أن الدين نهج تفصيلي ، لا أبالغ أنّ فيه عشرين أو ثلاثين ألف بند فهذه بنود الدين ، الذي يكثر من ذكر الموت إنسان يطبق سنة النبي ، يطبق منهج الله عز وجل ، والموت يأتي فجأةً ، بغتةً .
" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ يَعْنِي الْمَوْتَ "
" أكثروا ذكر هاذم اللذات ، فإنه ما ذكره أحد في ضيق العيش إلا وسعه عليه ، ولا في سعة إلا ضيقه عليه "
السعة مع الغفلة علاجها التفكر بالموت ، والضيق مع اليأس علاجه التفكر بالموت ، فبالسعة يذكرك وفي الضيق يذكرك ، في السعة ينقذك من غفلتك وفي الضيق ينقذك من غفلتك .
إذا طالب لم يذكر الامتحان في أثناء العام الدراسي فقد أخطأ أما إذا ذكر الامتحان وقد وزعت الأوراق وقرع الجرس ووزعت الأسئلة فالمراقب والامتحان صار أمراً مصيرياً ، نجاح أو رسوب ، النجاح يعني نال رضى من حوله ونال بعض الميزات ، هذا الطالب الذي نال الدرجة الأولى على القطر سئل مرة بمَ نلت هذه الدرجة ؟ قال : لأن لحظة الامتحان لم تغادر ذهني ولا ساعة طوال العام الدراسي ، والمؤمن الصادق المتفوق مغادرة الدنيا لا تغادر ذهنه إطلاقاً فهو يعمل بدأب وليس فقط يعمل بل حتى إذا قامت الساعة يعمل ويستمر في عمله :
" عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ "
يعمل ويؤسس عملاً ويدرس وينال شاهدات ، و يتوظف ويشتري بيتاً ، ويتزوج ويسكن كل هذا لا علاقة له بالموت ، الموت يحميك أن تخطئ ، يمنعك من أن تعصي الله عز وجل ، يمنعك من أن تأخذ ما ليس لك ، الموت يمنعك أن تقف في طريق الإيمان ، الموت سور ودافع ، يدفعك إلى الله وسور يقيك الزلل والانحراف ، لذلك
" ... فإنه ما ذكره أحد في ضيق العيش إلا وسعه عليه ، ولا في سعة إلا ضيقه عليه "
" عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ قَالَ : أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا قَالَ فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ قَالَ : أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا أُولَئِكَ الأكْيَاسُ "
قد يكون مشتركاً في رحلة فيكتب كل حاجاته لكيلا ينسى شيئاً ثم يضع هذه الحاجات في المحفظة ، معه بطاقة السفر والجواز ، والمال اللازم وأرقام الهواتف اللازمة ، وبعض الألبسة ، والعدة التي يستعملها كل يوم ، معه كتاب يقرؤه ، آلة حاسبة يحسب عليها ، لقد كتب كل الحاجات عندئذٍ يمضي رحلة موفقةً ناعمةً ، والاستعداد من علامات العقلاء ، وأخطر حدث عند الناس الموت أما أن يسكن في بيت فهذا مهم وكذلك أن ، يعمر بيتاً ، وأن يزوج أولاده ، ولكن أخطر حدث على الإطلاق المغادرة ، " الموت" و ما أدخله في حساباته ، فلذلك النبي الكريم عندما سئل " ... فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ قَالَ: أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا أُولَئِكَ الأكْيَاسُ "
أولئك الأكياس أن تكثر ذكر الموت وأن تكثر من الاستعداد له ، بالتوبة وبالوصية و بالعمل الصالح ، بإنفاق المال ، بالدعوة إلى الله ، بالنهي عن المنكر الأمر بالمعروف ، بخدمة الخلق ، بالإكثار من العبادة ، نوافل العبادات طلب العلم ، قراءة القرآن ، أعقل الإنسان في مقياس النبي عليه الصلاة والسلام ، من أكثر ذكر الموت وأكثر الاستعداد له .
" عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ "
أخ كريم يعمل في عمل تكنولوجي معقد جداً ، وموفق جداً فقال لي مرة : معملٌ طلبني لأن عنده مشكلة في الحاسوب الآلي والحاسوب الصناعي فطلبت مبلغاً من المال فصاحب المعمل صعب ، فاستكثر المبلغ وبدأ يكثر من مشاحنته لتخفيض الأجرة ، فقال لي : تكلمت كلمة خطأً لكن وقتها ما انتبهت لها ، قال لصاحب المعمل : أنا لست بحاجة لك وأنت بحاجة لي عجبك ! هذا المبلغ ، كلمة فيها اعتداد ، فيها قسوة ، تحكم ، فصاحب المعمل أذعن له ، وقال له تفضل أصلح هذا الخلل ، قال في كل حياتي إصلاح الخلل نصف ساعة أو ثلاثة أرباع الساعة خبير خبرة عالية جداً ودارس في أعلى البلاد وقد تفوق في هذا الموضوع ، ثم مضت ساعة ساعتان خمس ساعات ثماني ساعات الطريق مغلق ، ثاني يوم ثماني ساعات الطريق مغلق ، ثالث يوم لا زال الطريق مغلقاً أقسم بالله ثمانية أيام ، فلم يعد الأجر موافقاً للمدة ولا مائة ضعف المبلغ ، كان ترتيبه نصف ساعة وتنتهي العملية ، لكن الالتزام بإصلاح الخلل لا بالوقت ، بعد ثمانية أيام توقفت عن العمل ، قلت لأراجع نفسي لعل هناك مشكلة يبدو أن دينه جيد فاعتذر من صاحب المعمل و خلا بنفسه و حاسب نفسه أي ذنب ارتكبته حتى سد علي باب إصلاح هذا الخلل ؟ إلى أن اهتدى إلى هذه الكلمة التي قالها باعتزاز و اعتداد ، إذ قال له : أنت بحاجة إلي إن شئت فهذا هو المبلغ فاستغفر الله عز وجل و تاب إليه و دفع صدقة تكفيراً لذنبه ، ثم قال و الله في اليوم التاسع أو العاشر أقسم بالله بأقل من ربع ساعة انتهى الموضوع و تم إصلاح الخلل .
حاسب نفسك ، ما من عثرة و لا اختلاج عرق و لاخدش عود إلا بما قدمت أيديكم و ما يعفو الله عنه أكثر .
فالكيس من دان أي حاسب نفسه و عمل لما بعد الموت ، و العاجز من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله الأماني ، هذا حال المسلمين اليوم يتبعون أنفسهم هواها وهناك دعاء يرددونه : يا رب ارحمنا ، يا رب أغفر لنا ذنوبنا ، يا رب نحن عبيد إحسان لسنا عبيد امتحان ، يا رب لا يسعنا إلا فضلك ، هذا كلام فارغ لأنه لا استقامة و لا انضباط و لا نية بالتوبة ، بل أحدهم مقيم على ما هو عليه و بلسانه يسترضي الله عـز وجل و الاسترضاء يكون بالعمل لا باللسان .
عن أنس رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أكثروا ذكر الموت فإنه يمحص الذنوب ويزهد في الدنيا ، فإن ذكرتموه عند الغنى هدمه ، وإن ذكرتموه عند الفقر أرضاكم بعيشكم .
الغني بعد ثوانٍ صار خبراً على الجدران كل ممتلكاته انتقلت لغيره ، بالإضافة إلى حاجاته الخاصة ، له خزانة صغيرة في البيت فيها بعض الهدايا الثمينة التي أهديت إليه يوماً ، يؤخذ المفتاح ، وتفتح مركبته ما كان يعيرها لأحد تركب من بعده ، بيته يُسكن من بعده ، امرأته قد تتزوج من بعده ، أولاده بعد حين ينسونه فلا بد من التفكر بالموت ، الإنسان حينما يؤمن بالله عز وجل ويصطلح معه فالموت لا يرعبه كثيراً ، الإنسان يخاف الموت بقدر ذنوبه، والدليل قال تعالى :
( سورة الجمعة )
علامة أن تكون مع الله في أحسن حال ألّا تخاف الموت ، علامة أنك مؤمن ولك عمل طيب أنك لا تخشى الموت ، أما الظالم يكره الموت ، "
....أكثروا ذكر الموت فإنه يمحص الذنوب ويزهد في الدنيا ، فإن ذكرتموه عند الغنى هدمه ، وإن ذكرتموه عند الفقر أرضاكم بعيشكم "
ومر عليه الصلاة والسلام بمجلس قد استعلاه الضحك ، فقد ترى جلسة بنزهة فيها ضحك غير معقول ، ضحكة درج ، صوت مرتفع وحركة وتمطٍ ، وتعليقات .
قال : هؤلاء لو عرفوا ما أمامهم لما ضحكوا هذا الضحك ، لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً .
أن يعلم الإنسان أن أمامه سؤالاً فهذا ضروري ، والحساب دقيق ، وأمامه جنة أو نار إلى الأبد ، شيء مخيف ، شيء مصيري .
سيدنا عمر يقول : عجبت لمؤمل والموت يطلبه ، وغافل وليس بمغفول عنه ، وضاحك ملء فيه لا يدري أساخط عنه الله أم راضٍ .
مر عليه الصلاة والسلام بمجلس قد استعلاه الضحك فقال عليه الصلاة والسلام : شوبوا مجلسكم بمكدر اللذات .
الذين تجاوزوا الأربعين أو الخمسين في الأعم الأغلب أكثر أبناء جيله نصفهم تحت الأرض ، قد يموت إنسان بالتسعين ، بالمائة ، وأنت في الخمسين تقول بيننا وبينه أمدٌ بعيد ، أما حينما يموت أقران الإنسان ، و من هم في سنه ، من هم في مستواه ، فالقول الحق أنتم السابقون ونحن اللاحقون ، لذلك من دخل الأربعين دخل في أسواق الآخرة ، نحن في رحلة فإذا مضى ثلثا الوقت فالوقت المتبقي يخصص للاستعداد للعودة ، سافر إلى أي مكان ، فالرحلة عشرة أيام وبعد اليوم السابع تفكر في العودة ، في قطع التذاكر ، في جمع الأغراض، في شراء الهدايا ، في اختيار المركبة المناسبة ، بعد اليوم السابع التفكير ينعكس ، كيف نعود؟ و من دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة .
و لحكمة بالغة بالغة أرادها الله ، أنواع الموت لا تعد و لا تحصى ، من موت بلا سبب إطلاقاً ، إلى مرض يدوم ثلاثين سنة طريح الفراش يعني بأعلى درجات القوة يموت ، اليوم ذكرت مثلاً في جامع الطاووسية ولقي المثل وقعاً حسناً ، تصورنا سباق سيارات في طريق عريض، عشرة مسارب وهناك ألف سيارة للسباق بأنواع مختلفة من أكبر الحجوم إلى أصغر الحجوم ، من أغلى الماركات إلى أصغر الماركات من أقوى المحركات إلى أضعف المحركات ، كل هذه السيارات الألف تتسابق ، هذا الطريق العريض الذي فيه عشرة مسارب ينتهي بجدار خمسين متر ، السيارة الأولى نزلت ، الثانية نزلت ، الثالثة نزلت ، الضعيفة نزلت ، الغالية نزلت ، الرخيصة نزلت ، آخر واحدة نزلت ، أجّل واحدة نزلت ، هذا لم يعد سباقاً ، هذا مثل سباق الدنيا .
الغني يموت ، الفقير يموت ، القوي يموت ، الضعيف يموت ، الذكي يموت ، الأحمق يموت ، الكافر يموت ، كلهم يموت .
قالت له أخاف أن أموت من هذا الطبيب فقال لها : طبعاً ستموتين وأنا سأموت ، رجل سأل طبيباً : نسبة نجاح العملية كم ، قال له : بالمائة ثمانين ، قال له : كيف ، قال : إذا أجرى العمليةَ عشرةُ أشخاص فيموت اثنان ، فقال : لا أريد لأني : أريد بالمائة مائة ، فقال : لو كانت النتائج بالمائة مائة لما مات أحد .
أحياناً لأتفه سبب عملية لوزات يموت منها الإنسان ، إنسان بمنصب رفيع جداً كل أطباء النسائية تحت يده موظفين عنده ، وله زوجة قال بأول ولد فظل شهراً وهو يبحث عن أمهر طبيب ، له سمعة طيبة أخلاقه عالية وخبرته طويلة ، فاستقر رأيه أخيراً على أحد الأطباء فكانت منيتها على يديه أثناء الولادة ، وأحياناً بدوية يأتيها المخاض وهي في الطريق وتلد وتقطع الخلاص بحجرين .
الموت عجيب قد يفاجئ الشاب وهو بالخمسة عشرة ، أعرف أسرة مات لها أول ابن في الثانية والعشرين والثاني في الثالثةِ والعشرين ، شابان في هذه الأسرة توفيا في حادث سير ، كل إنسان له منية ، العاقل هو الذي يستعد لهذا الحدث الذي لابد منه ، حينما رأى النبي هذا المجلس قد أخذه الضحك وقال : شوبوا مجلسكم بمكدر اللذات ، قالوا يا رسول الله وما مكدر اللذات ، قال الموت .
دخل الموت في الحسابات ، ذهبت إلى بيروت ذات مرة فلفت نظري محل تجاري ، أغرب محل رأيته في حياتي ، يبيع لوازم الموتى ، فليس عنده ولا زبون ، يبدو أن ذوي الكنائس والمساجد الذين يتعاملون مع تكفين الميت يذهبون إلى هناك ليشتروا الحاجات ، والإنسان يريد بضاعة يستعملها وهو حي .
" وحدثنا شيخ قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى رجلاً فقال : أكثر ذكر الموت يسليك عما سواه " العوام لهم كلمات لها معنى عميق ، " إذا ضاقت عليكم الصدور عليكم بزيارة القبور" ، فأنا أنصح كل أخ بأن يزور مستشفى ومقبرة ، يرجع مرتاح النفس ، كل مريض له وضع لا يُحتمل وأنت معافى ، وليس من إنسان مات إلا بدفتره جدول أعمال ، فهناك إنسان عنده تسعون بنداً مثلاً وآخر أكثر أو أقل ، وجاءه الموت قبل إنجاز هذا كله .
النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أنس من أصحابه غفلةً ، نادى فيهم بصوت رفيع ، أتتكم المنية راتبةً لازمةً إما شقاوة وإما سعادة .
أنا أقول لكم إذا الإنسان نفسه بالتعبير الدارج قرنت عليه ، تعلقت بالدنيا وأبت أن تنصاع لأمر الله ، فالموت أفضل علاج لها ، لي صديق توفي بحادث فأحببت أن أراه في المستشفى بعد أن وضع بالبراد ، فقلت لطبيب صديقي هناك : أريد أن أشاهده ففتح الباب فهالني المنظر رفوف رفوف ، صواني ستانلس كلها معبأة بأشخاص عرفت من لباسهم أنهم أغنياء ، أو فقراء ، أو أصحاب أعمال حرة .
مرة في طريقي إلى المغرب وفي الطائرة مررت بتونس فلا بد من انتظار ساعة في المطار ، وبينما أنا جالس قرب النافذة في مواجهة مدخل البضائع والأمتعة فلم ألبث أن فوجئت بنعش ، له أوراق تخليص فكان شخصاً فصار بضاعة ، وله أوراق يخلص كما تخلص البضاعة .
النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أنس من أصحابه غفلةً ، نادى فيهم بصوت رفيع ، أتتكم المنية راتبةً لازمةً إما شقاوة وإما سعادة .
أعرف رجلاً ما رأيته ولكن سمعت عنه ، كان على مستوى من الأناقة والذوق ما يفوق حد الخيال ، دخلت إلى بيته بعد وفاته ، فابنه صديقي ، فرأيت ما لا يوصف : التزيينات والثريات ، الأجنحة الشرقية ، الأجنحة الغربية ، اللوحات ، الفازات ، كل فاز ارتفاعه ثلاثة أمتار ، بالملايين ثمنه ، هو يبيع تحفاً ، توفي في أيام مطيرة جداً فلما أخذ ليدفن ، فكان القبر تنسلط عليه سياقات من المياه السوداء ، قال لي مدير معمله بقيت أسبوعاً لم آكل الطعام لسوء المنظر! و هناك وضعوا معلمي الأنيق ، صاحب الذوق ، الذي أدواته تلفت النظر ، حاجاته الشخصية ، فرش بيته قبر في مياه سوداء سألوا ابنه قال لهم : ضعوه ماذا نفعل .
شخص عمّر فيلّا شاهدته سنة الأربع والسبعين بحلب ، الفيلّا كِلفتها سنة الأربع والسبعين خمسةٌ وثلاثون مليون ، فيها رخام ( أونكس) بخمس ملايين ، طبعاً المهندسون الذين عمروها أجانب ، قطعة من عجائب الدنيا ، مات صاحبها بالثانية والأربعين ، وهو طويل القامة وكان القبر لحكمة أرادها الله قصير ، فلما وضعوه ما اتسع لحجمه ، فماذا يفعلون ؟ جاء الحفار فدفعه بصدره فصار رأسه مطوياً على جسده .
الإنسان بحياته كم حفار ؟ إذا كان منعماً فعنده حفار غرفة النوم ، يريد حفرة ناعمة ، مظللة ، معتقة ، وآخر حفار بحياته حفار القبر ، مرة دفنا أخاً كريماً ، لكن أعرفه أنيقاً جداً وضعوا البلاطة وظل فراغ أربعة سم عندما أهالوا التراب بالمجرفة نزل فوقه كيلوات من التراب .
هذا من باب الحقيقة الثابتة ، بعد مائة عام ، الله يطول أعماركم كلكم ، ويمتعكم بصحتكم وأولادكم ، ويرزقكم عملاً صالحاً ، ولكن بالنهاية نموت كلنا ، بعد مائة سنة من الآن هل ترون أحداً منا جالس هنا ، ولا واحد كلنا تحت أطباق الثرى مرهونون بأعمالنا ، الإنسان
لابد ميت ، قال تعالى :
(سورة الزمر)
ذات مرة والله لن أنسى هذا الموقف وأذكره لكم الآن كنت في مكان فجرى حديث ديني، شخص أعجب بهذا الحديث فدعانا إلى سهرة ، واتفقنا كل أسبوع عند كل واحد سهرة لطيفة ، هذا الرجل منعم ، تاجر كبير عنده معامل ، وفي بيته أناقة غير معقولة شخص ذواقة، موضوع طويل لا يهمنا ، الذي يهمنا أنه بأحد الأيام خرج من معمله إلى البيت فنسي أين بيته، تذكر بيت ابنه فذهب إليه وقال له : يا بني أين بيتي ؟ أصابه فقدان ذاكرة جزئي ، بعد حين خبرني ابنه وقائلاً إن والدي توفي ، فذهبت إلى بيتهم له شيخ من علماء الشام الكبار المحترمين ، طبعاً قدم شيخه ليلقي كلمة قبل أن يصلى عليه ، توقعت كلمة ربع ساعة فقال :
أخوانا الكرام أخوكم أبو فلان ، ترحموا عليه كان مؤذناً .
أنا تصورت أنه سيتكلم عنه ساعة ، لروعة بيته ، معمله فسيتكلم عنه ساعتين ، فقد صمت بيته ورحلاته ، أناقة فرشه ، أذواقه بالطعام ، هذا كله لا يتكلم عند الموت ، لا يتكلم إلا العمل الصالح ، قال شيخه : وكان كلما جاء إلينا أدعوه ليؤذن بدلاً من مؤذن هذا المسجد ، فقد كان صوته حسناً .
ما نوع بيتك ، يا ربي فيه جبصين يأخذ العقل ، هل تستطيع أن تتكلم هذا يوم الأجر ؟ لا تتكلم في القبر ، كنت أملك ثلاث سيارات واحدة للسفر وازنة ، وواحدة للمدينة خفيفة من أجل أن أصُفَّها في أي مكان ، وواحدة للمعمل ، هل يتكلم هذا يوم الأجر ، عندي أرصدة وأموال منقولة وغير منقولة ، أنا عندي معمل له ثلاثة خطوط هاتف ، أو خمسة خطوط ، لا يسمح لك إلا أن تقول شيئاً إلا العمل الصالح .
كان عليه الصلاة والسلام إذا أحس من الناس بغفلة ، جاء فأخذ بزاوية الباب ثم هتف ثلاثـاً يا أيها الناس ، يا أهل الإسلام أتتكم المنية راتبةً لازمةً ، جاء الموت بما جاء به ، جاء بالروح والراحة والكثرة المباركة لأولياء الرحمن ، من أهل الخلود هم الذين كان سعيهم ورغبتهم فيها ، ألا وإن لكل ساع غايةً وغاية كل ساع الموت ، سابق ومسبوق .
النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم يقول : كفى بالموت واعظاً .
أكثرُ شيءٍ يؤلمني أن الناس الذين يمشون بالجنازة حديثهم عن الدنيا وما فيها ، مرة مشيت في جنازة فأكثر شيء آلمني أن اثنين جنبي يتحدثان عن العقد الفلاني والصفقة الفلانية، وفلان خصم عليّ مبلغاً وأنا أريد أن أخصم عليه ، الميت أمامك وحديثك مِن مكان الخروج وإلى المقبرة حول الحسابات والتجارات والصفقات .
يقول سيدنا سعد ثلاثة أنا فيهن رجل وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس من هذه الثلاثة ، ما سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها .
هناك طرفة : إنسان سأل فقيهاً فقال له : أين أمشي وأنا أشيع الجنازة أأمشي أمامها أم خلفها أم عن يمينها أم عن شمالها ؟ فقال هذا الفقيه مداعباً لا تكن في النعش وسر أينما شئت.
إذا مات شخص فالبقية لديهم بحبوحة ، أفسح لهم في أجلهم ، أنت حينما تستيقظ يعني أن الله سمح لك أن تعيش يوماً آخر ، ما من يوم ينشق فجر إلا وينادي منادٍ يا ابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة .
مرة زرت كلية الطب ، وبدافع الفضول أردت مع بعض صحبي أن نشاهد المكان الذي يجري فيه تشريح الأموات ، قال لي الآذن هنا مصنع عال مملوء بمادة معينة ، فيه ما بين عشرين إلى ثلاثين جثة ، ضمن المحلول ، فهذا ظاهرة يده وذاك رجله وهناك رأس بارز ، هم مغطّسون بمحلول لكن الذي لفت نظري عَصاً فيها شنكل ، فقلت: لمَ هذه ؟ فقال : من أجل أن يسحبوا بها الموتى واحداً واحداً !
فهذا الميت مثلاً كان شخصاً ، له بيت ، وأولاد ، وزوجة ، كان يخيف أحياناً ، أو كان جميل الصورة ، كان له طعام خاص يحبه ، كان له جلسات ، قام بنزهات كثيرة فأين هذه النزهات ؟ بالعصا ذات الشنكل سحبهُ ورفعه !
مشاهد الموتى مفيدة جداً ، لو مَرّت جنازة و لا تعرف صاحبها اتبعها فعندما يفتحون النعش ، ويحملون الميت ، ترى كيف : التفت الساق بالساق ويدخلونه إلى القبر ويضعون الرقاقة ، وانتهى . هذا مصير كل واحد .
مرة حضرت تغسيل ميت ، فالمغسل بعد أن انتهى وكفنه ، جاء بقطعة قماش قطعها بأسنانه فصارت طويلة أنزلها بالماء من أجل أن تمسك جسد الميت ولف رجليه ، وشدها وعقدها بحيث لا تنفك عنه حتى تبلى ، هذا معنى قوله تعالى :
( سورة القيامة )
خلال خمس وثلاثين سنة ما صلى فرض صلاة ، ولا حج ولا اعتمر وترك خمسة آلاف مليون ، وكان في بلاد الحجاز مقيماً في جدة ووافته المنية هناك .
فالإنسان إذا عاش من دون هدف أحمق ، فالذي يجمعه في حياته كلها يأخذه الموت في ثانية واحدة ، يوجد سلطان ظالم غشوم ، أحب أن ينتقم من شيخ النجارين ، فطلب منه شيئاً فوق طاقته ، قال له أريد منك مائة كيس نخالة أو نشارة ، فلا يجتمع له ذلك ولا بسنتين ، أو يقتله هذا الملك فَهِمَ النجار أنه مقتول فكتب وصيته وودع أولاده ، و في الفجر طرق الباب فقبّل أولاده ، لأنه ظن أنه مقتول لا محالة ، فقيل له الملك مات نريد أن تصنع له نعشاً .
سبحان من قهر عباده بالموت ، الإنسان لا يعرف متى يموت ، كيف يموت ، وهناك شخص غادر إلى أمريكا بمهمة رسمية وفي المطار وهو جالس على كرسي في المطار فارق الحياة ، سافر عشرين ساعة في الجو ليموت في مطار واشنطن ، شاب خطب فتاة مات ! وترك أموالاً طائلة ولم يعقد العقد ، فهي تمنت لو أنه قد كتب الكتاب لكان لها أموال طائلة .
قيل يا رسول الله هل يحشر مع الشهداء أحد ؟ قال : نعم من يذكر الموت في اليوم والليلة .
وقال تعالى :
( سورة الملك )
أحسن عمل ، قال أكثركم بالموت ذكراً وأحسنكم له استعداد ، وأشدكم خوفاً وحذراً .
رجل جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال يا رسول الله : مالي لا أحب الموت ؟ قال : ألك مال ، قال : نعم ، قال : قدمه أمامك فإن قلب المؤمن مع ماله إذا قدمه أحب أن يلحق به، وإن أخره أحب أن يتأخر معه .
إذا إنسان يائس من بلد ، باع البيت وحَوّله للخارج ، باع السيارة وحولها باع المعمل وحوله ، ولم يدع شيئاً ، بعد أن حول أمواله قدم جواز السفر ليأخذ سمة خروج وفي المطار أخذ بالصعود وإلى الطائرة ، وأنا أعتقد أن هذا الإنسان الذي بهذه الصفات أسعد لحظات حياته عندما ركب سلم الطائرة ، لأنه قدم ماله أمامه ، وكذلك المؤمن إذا قدم ماله أمامه ، سره اللحاق به ، والذي خَلَّفه وراءه آلمه فراقه " ..فإن قلب المؤمن مع ماله إذا قدمه أحب أن يلحق به ، وإن أخره أحب أن يتأخر معه .
وكان أبو الدرداء رضي الله عنه قال : كفى بالموت واعظاً ، وكفى بالدهر مفرقاً ، اليوم في الدور وغداً في القبور .
انظر غرفتك أربعة في أربعة والسقف ثلاثة ونصف مدهن ، معلقة به ثريا مقعد وثير ، هاتف ، سرير مريح ، غرفة الطعام ، غرفة الضيوف ، مطبخ ، حمام ، المائة متر سوف تصبح خمسة وستين سم عرضاً بمائة وثمانين سم طولاً ، لا يوجد دهان ولا رخام ولا سيراميك ، ولا ألمنيوم ولا برونز ولا شيء بل على الأرض .
سيشيع إلى مثواه الأخير ، وما أكثر عبد ذكر الموت إلا ترك الفرح والحسد ، ومن أكثر من ذكر الموت قل فرحه وقلَّ حسده ، وكفى بالموت مزهداً في الدنيا مرغباً في الآخرة .
وقال النبي الكريم لأحد أصحابه : استعد للموت قبل الموت ، مرة قرأت كلمة في مدينة فاس في المغرب ، فيها منطقة إسلامية وشوارع ضيقة ، ومسجد مشهور جداً ، مكتوب على بعض المحلات صلِّ قبل أن يصلى عليك .
بعض العلماء يقول :
ما أحد ينزل الموت حق منزلته إلا عبد عد غداً ليس من أجله كم
من مسـتقبل يـوماً لا يستكمله و كــم مـِنْ راجٍ غداً لا يبلغه
إنـك لو تـرى الأجل ومسيره لأبغضـت الأمـل و غـروره
وقال بعض العلماء : انظر : فالذي تحب أن يكون معك في الآخرة فقدمه اليوم ، وانظر الذي تكره أن يكون معك في الآخرة فاتركه اليوم واخرج عنه ، وكل عمل كرهت الموت من أجله فاتركه ، ثم لا يضرك متى مت .
والحمد لله رب العالمين
توجيه النبي عليه الصلاة والسلام في ذكر الموت،
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة الكرام :
لازلنا في موضوع الموت ، والموت أشد الأحداث واقعيةً في المستقبل ، ما من حدث في المستقبل أشد لصوقاً بالإنسان وأشد واقعيةً من الموت ، والتفكير في هذا الحدث الخطير تفكير جاد ، واقعي ، مهم جداً ، لنرى لماذا وجه النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه الكرام ؟ للإكثار من ذكر الموت ؟
" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ يَعْنِي الْمَوْتَ "
أكثروا ليس الأمر منصباً على هاذم اللذات ، بل على الإكثار من ذكر هاذم اللذات ، وهذا الحديث صحيح والنبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وصيغة هذا الحديث مصدرةٌ بفعل أمر أكثروا .
وفي حديث آخر :
" أكثروا ذكر هادم اللذات ، فإنه ما ذكره أحد في ضيق العيش إلا وسعه عليه ، ولا في سعة إلا ضيقه عليه "
إن كنت غافلاً مع السعة ذكرك الموت بمغادرة الدنيا ، وإن كنت في ضيق مع القلة ذكرك الموت في الآخرة ، فتنسى ما أنت فيه ، الذي أتمناه على أخوتنا الكرام أن يفهموا أن الدين ليس كما يفهم كثير من الناس صومٌ وصلاة وحجٌ وزكاة ، بل والفهم السليم : أن الدين نهج تفصيلي ، لا أبالغ أنّ فيه عشرين أو ثلاثين ألف بند فهذه بنود الدين ، الذي يكثر من ذكر الموت إنسان يطبق سنة النبي ، يطبق منهج الله عز وجل ، والموت يأتي فجأةً ، بغتةً .
" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ يَعْنِي الْمَوْتَ "
" أكثروا ذكر هاذم اللذات ، فإنه ما ذكره أحد في ضيق العيش إلا وسعه عليه ، ولا في سعة إلا ضيقه عليه "
السعة مع الغفلة علاجها التفكر بالموت ، والضيق مع اليأس علاجه التفكر بالموت ، فبالسعة يذكرك وفي الضيق يذكرك ، في السعة ينقذك من غفلتك وفي الضيق ينقذك من غفلتك .
إذا طالب لم يذكر الامتحان في أثناء العام الدراسي فقد أخطأ أما إذا ذكر الامتحان وقد وزعت الأوراق وقرع الجرس ووزعت الأسئلة فالمراقب والامتحان صار أمراً مصيرياً ، نجاح أو رسوب ، النجاح يعني نال رضى من حوله ونال بعض الميزات ، هذا الطالب الذي نال الدرجة الأولى على القطر سئل مرة بمَ نلت هذه الدرجة ؟ قال : لأن لحظة الامتحان لم تغادر ذهني ولا ساعة طوال العام الدراسي ، والمؤمن الصادق المتفوق مغادرة الدنيا لا تغادر ذهنه إطلاقاً فهو يعمل بدأب وليس فقط يعمل بل حتى إذا قامت الساعة يعمل ويستمر في عمله :
" عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ "
يعمل ويؤسس عملاً ويدرس وينال شاهدات ، و يتوظف ويشتري بيتاً ، ويتزوج ويسكن كل هذا لا علاقة له بالموت ، الموت يحميك أن تخطئ ، يمنعك من أن تعصي الله عز وجل ، يمنعك من أن تأخذ ما ليس لك ، الموت يمنعك أن تقف في طريق الإيمان ، الموت سور ودافع ، يدفعك إلى الله وسور يقيك الزلل والانحراف ، لذلك
" ... فإنه ما ذكره أحد في ضيق العيش إلا وسعه عليه ، ولا في سعة إلا ضيقه عليه "
" عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ قَالَ : أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا قَالَ فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ قَالَ : أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا أُولَئِكَ الأكْيَاسُ "
قد يكون مشتركاً في رحلة فيكتب كل حاجاته لكيلا ينسى شيئاً ثم يضع هذه الحاجات في المحفظة ، معه بطاقة السفر والجواز ، والمال اللازم وأرقام الهواتف اللازمة ، وبعض الألبسة ، والعدة التي يستعملها كل يوم ، معه كتاب يقرؤه ، آلة حاسبة يحسب عليها ، لقد كتب كل الحاجات عندئذٍ يمضي رحلة موفقةً ناعمةً ، والاستعداد من علامات العقلاء ، وأخطر حدث عند الناس الموت أما أن يسكن في بيت فهذا مهم وكذلك أن ، يعمر بيتاً ، وأن يزوج أولاده ، ولكن أخطر حدث على الإطلاق المغادرة ، " الموت" و ما أدخله في حساباته ، فلذلك النبي الكريم عندما سئل " ... فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ قَالَ: أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا أُولَئِكَ الأكْيَاسُ "
أولئك الأكياس أن تكثر ذكر الموت وأن تكثر من الاستعداد له ، بالتوبة وبالوصية و بالعمل الصالح ، بإنفاق المال ، بالدعوة إلى الله ، بالنهي عن المنكر الأمر بالمعروف ، بخدمة الخلق ، بالإكثار من العبادة ، نوافل العبادات طلب العلم ، قراءة القرآن ، أعقل الإنسان في مقياس النبي عليه الصلاة والسلام ، من أكثر ذكر الموت وأكثر الاستعداد له .
" عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ "
أخ كريم يعمل في عمل تكنولوجي معقد جداً ، وموفق جداً فقال لي مرة : معملٌ طلبني لأن عنده مشكلة في الحاسوب الآلي والحاسوب الصناعي فطلبت مبلغاً من المال فصاحب المعمل صعب ، فاستكثر المبلغ وبدأ يكثر من مشاحنته لتخفيض الأجرة ، فقال لي : تكلمت كلمة خطأً لكن وقتها ما انتبهت لها ، قال لصاحب المعمل : أنا لست بحاجة لك وأنت بحاجة لي عجبك ! هذا المبلغ ، كلمة فيها اعتداد ، فيها قسوة ، تحكم ، فصاحب المعمل أذعن له ، وقال له تفضل أصلح هذا الخلل ، قال في كل حياتي إصلاح الخلل نصف ساعة أو ثلاثة أرباع الساعة خبير خبرة عالية جداً ودارس في أعلى البلاد وقد تفوق في هذا الموضوع ، ثم مضت ساعة ساعتان خمس ساعات ثماني ساعات الطريق مغلق ، ثاني يوم ثماني ساعات الطريق مغلق ، ثالث يوم لا زال الطريق مغلقاً أقسم بالله ثمانية أيام ، فلم يعد الأجر موافقاً للمدة ولا مائة ضعف المبلغ ، كان ترتيبه نصف ساعة وتنتهي العملية ، لكن الالتزام بإصلاح الخلل لا بالوقت ، بعد ثمانية أيام توقفت عن العمل ، قلت لأراجع نفسي لعل هناك مشكلة يبدو أن دينه جيد فاعتذر من صاحب المعمل و خلا بنفسه و حاسب نفسه أي ذنب ارتكبته حتى سد علي باب إصلاح هذا الخلل ؟ إلى أن اهتدى إلى هذه الكلمة التي قالها باعتزاز و اعتداد ، إذ قال له : أنت بحاجة إلي إن شئت فهذا هو المبلغ فاستغفر الله عز وجل و تاب إليه و دفع صدقة تكفيراً لذنبه ، ثم قال و الله في اليوم التاسع أو العاشر أقسم بالله بأقل من ربع ساعة انتهى الموضوع و تم إصلاح الخلل .
حاسب نفسك ، ما من عثرة و لا اختلاج عرق و لاخدش عود إلا بما قدمت أيديكم و ما يعفو الله عنه أكثر .
فالكيس من دان أي حاسب نفسه و عمل لما بعد الموت ، و العاجز من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله الأماني ، هذا حال المسلمين اليوم يتبعون أنفسهم هواها وهناك دعاء يرددونه : يا رب ارحمنا ، يا رب أغفر لنا ذنوبنا ، يا رب نحن عبيد إحسان لسنا عبيد امتحان ، يا رب لا يسعنا إلا فضلك ، هذا كلام فارغ لأنه لا استقامة و لا انضباط و لا نية بالتوبة ، بل أحدهم مقيم على ما هو عليه و بلسانه يسترضي الله عـز وجل و الاسترضاء يكون بالعمل لا باللسان .
عن أنس رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أكثروا ذكر الموت فإنه يمحص الذنوب ويزهد في الدنيا ، فإن ذكرتموه عند الغنى هدمه ، وإن ذكرتموه عند الفقر أرضاكم بعيشكم .
الغني بعد ثوانٍ صار خبراً على الجدران كل ممتلكاته انتقلت لغيره ، بالإضافة إلى حاجاته الخاصة ، له خزانة صغيرة في البيت فيها بعض الهدايا الثمينة التي أهديت إليه يوماً ، يؤخذ المفتاح ، وتفتح مركبته ما كان يعيرها لأحد تركب من بعده ، بيته يُسكن من بعده ، امرأته قد تتزوج من بعده ، أولاده بعد حين ينسونه فلا بد من التفكر بالموت ، الإنسان حينما يؤمن بالله عز وجل ويصطلح معه فالموت لا يرعبه كثيراً ، الإنسان يخاف الموت بقدر ذنوبه، والدليل قال تعالى :
( سورة الجمعة )
علامة أن تكون مع الله في أحسن حال ألّا تخاف الموت ، علامة أنك مؤمن ولك عمل طيب أنك لا تخشى الموت ، أما الظالم يكره الموت ، "
....أكثروا ذكر الموت فإنه يمحص الذنوب ويزهد في الدنيا ، فإن ذكرتموه عند الغنى هدمه ، وإن ذكرتموه عند الفقر أرضاكم بعيشكم "
ومر عليه الصلاة والسلام بمجلس قد استعلاه الضحك ، فقد ترى جلسة بنزهة فيها ضحك غير معقول ، ضحكة درج ، صوت مرتفع وحركة وتمطٍ ، وتعليقات .
قال : هؤلاء لو عرفوا ما أمامهم لما ضحكوا هذا الضحك ، لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً .
أن يعلم الإنسان أن أمامه سؤالاً فهذا ضروري ، والحساب دقيق ، وأمامه جنة أو نار إلى الأبد ، شيء مخيف ، شيء مصيري .
سيدنا عمر يقول : عجبت لمؤمل والموت يطلبه ، وغافل وليس بمغفول عنه ، وضاحك ملء فيه لا يدري أساخط عنه الله أم راضٍ .
مر عليه الصلاة والسلام بمجلس قد استعلاه الضحك فقال عليه الصلاة والسلام : شوبوا مجلسكم بمكدر اللذات .
الذين تجاوزوا الأربعين أو الخمسين في الأعم الأغلب أكثر أبناء جيله نصفهم تحت الأرض ، قد يموت إنسان بالتسعين ، بالمائة ، وأنت في الخمسين تقول بيننا وبينه أمدٌ بعيد ، أما حينما يموت أقران الإنسان ، و من هم في سنه ، من هم في مستواه ، فالقول الحق أنتم السابقون ونحن اللاحقون ، لذلك من دخل الأربعين دخل في أسواق الآخرة ، نحن في رحلة فإذا مضى ثلثا الوقت فالوقت المتبقي يخصص للاستعداد للعودة ، سافر إلى أي مكان ، فالرحلة عشرة أيام وبعد اليوم السابع تفكر في العودة ، في قطع التذاكر ، في جمع الأغراض، في شراء الهدايا ، في اختيار المركبة المناسبة ، بعد اليوم السابع التفكير ينعكس ، كيف نعود؟ و من دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة .
و لحكمة بالغة بالغة أرادها الله ، أنواع الموت لا تعد و لا تحصى ، من موت بلا سبب إطلاقاً ، إلى مرض يدوم ثلاثين سنة طريح الفراش يعني بأعلى درجات القوة يموت ، اليوم ذكرت مثلاً في جامع الطاووسية ولقي المثل وقعاً حسناً ، تصورنا سباق سيارات في طريق عريض، عشرة مسارب وهناك ألف سيارة للسباق بأنواع مختلفة من أكبر الحجوم إلى أصغر الحجوم ، من أغلى الماركات إلى أصغر الماركات من أقوى المحركات إلى أضعف المحركات ، كل هذه السيارات الألف تتسابق ، هذا الطريق العريض الذي فيه عشرة مسارب ينتهي بجدار خمسين متر ، السيارة الأولى نزلت ، الثانية نزلت ، الثالثة نزلت ، الضعيفة نزلت ، الغالية نزلت ، الرخيصة نزلت ، آخر واحدة نزلت ، أجّل واحدة نزلت ، هذا لم يعد سباقاً ، هذا مثل سباق الدنيا .
الغني يموت ، الفقير يموت ، القوي يموت ، الضعيف يموت ، الذكي يموت ، الأحمق يموت ، الكافر يموت ، كلهم يموت .
قالت له أخاف أن أموت من هذا الطبيب فقال لها : طبعاً ستموتين وأنا سأموت ، رجل سأل طبيباً : نسبة نجاح العملية كم ، قال له : بالمائة ثمانين ، قال له : كيف ، قال : إذا أجرى العمليةَ عشرةُ أشخاص فيموت اثنان ، فقال : لا أريد لأني : أريد بالمائة مائة ، فقال : لو كانت النتائج بالمائة مائة لما مات أحد .
أحياناً لأتفه سبب عملية لوزات يموت منها الإنسان ، إنسان بمنصب رفيع جداً كل أطباء النسائية تحت يده موظفين عنده ، وله زوجة قال بأول ولد فظل شهراً وهو يبحث عن أمهر طبيب ، له سمعة طيبة أخلاقه عالية وخبرته طويلة ، فاستقر رأيه أخيراً على أحد الأطباء فكانت منيتها على يديه أثناء الولادة ، وأحياناً بدوية يأتيها المخاض وهي في الطريق وتلد وتقطع الخلاص بحجرين .
الموت عجيب قد يفاجئ الشاب وهو بالخمسة عشرة ، أعرف أسرة مات لها أول ابن في الثانية والعشرين والثاني في الثالثةِ والعشرين ، شابان في هذه الأسرة توفيا في حادث سير ، كل إنسان له منية ، العاقل هو الذي يستعد لهذا الحدث الذي لابد منه ، حينما رأى النبي هذا المجلس قد أخذه الضحك وقال : شوبوا مجلسكم بمكدر اللذات ، قالوا يا رسول الله وما مكدر اللذات ، قال الموت .
دخل الموت في الحسابات ، ذهبت إلى بيروت ذات مرة فلفت نظري محل تجاري ، أغرب محل رأيته في حياتي ، يبيع لوازم الموتى ، فليس عنده ولا زبون ، يبدو أن ذوي الكنائس والمساجد الذين يتعاملون مع تكفين الميت يذهبون إلى هناك ليشتروا الحاجات ، والإنسان يريد بضاعة يستعملها وهو حي .
" وحدثنا شيخ قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى رجلاً فقال : أكثر ذكر الموت يسليك عما سواه " العوام لهم كلمات لها معنى عميق ، " إذا ضاقت عليكم الصدور عليكم بزيارة القبور" ، فأنا أنصح كل أخ بأن يزور مستشفى ومقبرة ، يرجع مرتاح النفس ، كل مريض له وضع لا يُحتمل وأنت معافى ، وليس من إنسان مات إلا بدفتره جدول أعمال ، فهناك إنسان عنده تسعون بنداً مثلاً وآخر أكثر أو أقل ، وجاءه الموت قبل إنجاز هذا كله .
النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أنس من أصحابه غفلةً ، نادى فيهم بصوت رفيع ، أتتكم المنية راتبةً لازمةً إما شقاوة وإما سعادة .
أنا أقول لكم إذا الإنسان نفسه بالتعبير الدارج قرنت عليه ، تعلقت بالدنيا وأبت أن تنصاع لأمر الله ، فالموت أفضل علاج لها ، لي صديق توفي بحادث فأحببت أن أراه في المستشفى بعد أن وضع بالبراد ، فقلت لطبيب صديقي هناك : أريد أن أشاهده ففتح الباب فهالني المنظر رفوف رفوف ، صواني ستانلس كلها معبأة بأشخاص عرفت من لباسهم أنهم أغنياء ، أو فقراء ، أو أصحاب أعمال حرة .
مرة في طريقي إلى المغرب وفي الطائرة مررت بتونس فلا بد من انتظار ساعة في المطار ، وبينما أنا جالس قرب النافذة في مواجهة مدخل البضائع والأمتعة فلم ألبث أن فوجئت بنعش ، له أوراق تخليص فكان شخصاً فصار بضاعة ، وله أوراق يخلص كما تخلص البضاعة .
النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أنس من أصحابه غفلةً ، نادى فيهم بصوت رفيع ، أتتكم المنية راتبةً لازمةً إما شقاوة وإما سعادة .
أعرف رجلاً ما رأيته ولكن سمعت عنه ، كان على مستوى من الأناقة والذوق ما يفوق حد الخيال ، دخلت إلى بيته بعد وفاته ، فابنه صديقي ، فرأيت ما لا يوصف : التزيينات والثريات ، الأجنحة الشرقية ، الأجنحة الغربية ، اللوحات ، الفازات ، كل فاز ارتفاعه ثلاثة أمتار ، بالملايين ثمنه ، هو يبيع تحفاً ، توفي في أيام مطيرة جداً فلما أخذ ليدفن ، فكان القبر تنسلط عليه سياقات من المياه السوداء ، قال لي مدير معمله بقيت أسبوعاً لم آكل الطعام لسوء المنظر! و هناك وضعوا معلمي الأنيق ، صاحب الذوق ، الذي أدواته تلفت النظر ، حاجاته الشخصية ، فرش بيته قبر في مياه سوداء سألوا ابنه قال لهم : ضعوه ماذا نفعل .
شخص عمّر فيلّا شاهدته سنة الأربع والسبعين بحلب ، الفيلّا كِلفتها سنة الأربع والسبعين خمسةٌ وثلاثون مليون ، فيها رخام ( أونكس) بخمس ملايين ، طبعاً المهندسون الذين عمروها أجانب ، قطعة من عجائب الدنيا ، مات صاحبها بالثانية والأربعين ، وهو طويل القامة وكان القبر لحكمة أرادها الله قصير ، فلما وضعوه ما اتسع لحجمه ، فماذا يفعلون ؟ جاء الحفار فدفعه بصدره فصار رأسه مطوياً على جسده .
الإنسان بحياته كم حفار ؟ إذا كان منعماً فعنده حفار غرفة النوم ، يريد حفرة ناعمة ، مظللة ، معتقة ، وآخر حفار بحياته حفار القبر ، مرة دفنا أخاً كريماً ، لكن أعرفه أنيقاً جداً وضعوا البلاطة وظل فراغ أربعة سم عندما أهالوا التراب بالمجرفة نزل فوقه كيلوات من التراب .
هذا من باب الحقيقة الثابتة ، بعد مائة عام ، الله يطول أعماركم كلكم ، ويمتعكم بصحتكم وأولادكم ، ويرزقكم عملاً صالحاً ، ولكن بالنهاية نموت كلنا ، بعد مائة سنة من الآن هل ترون أحداً منا جالس هنا ، ولا واحد كلنا تحت أطباق الثرى مرهونون بأعمالنا ، الإنسان
لابد ميت ، قال تعالى :
(سورة الزمر)
ذات مرة والله لن أنسى هذا الموقف وأذكره لكم الآن كنت في مكان فجرى حديث ديني، شخص أعجب بهذا الحديث فدعانا إلى سهرة ، واتفقنا كل أسبوع عند كل واحد سهرة لطيفة ، هذا الرجل منعم ، تاجر كبير عنده معامل ، وفي بيته أناقة غير معقولة شخص ذواقة، موضوع طويل لا يهمنا ، الذي يهمنا أنه بأحد الأيام خرج من معمله إلى البيت فنسي أين بيته، تذكر بيت ابنه فذهب إليه وقال له : يا بني أين بيتي ؟ أصابه فقدان ذاكرة جزئي ، بعد حين خبرني ابنه وقائلاً إن والدي توفي ، فذهبت إلى بيتهم له شيخ من علماء الشام الكبار المحترمين ، طبعاً قدم شيخه ليلقي كلمة قبل أن يصلى عليه ، توقعت كلمة ربع ساعة فقال :
أخوانا الكرام أخوكم أبو فلان ، ترحموا عليه كان مؤذناً .
أنا تصورت أنه سيتكلم عنه ساعة ، لروعة بيته ، معمله فسيتكلم عنه ساعتين ، فقد صمت بيته ورحلاته ، أناقة فرشه ، أذواقه بالطعام ، هذا كله لا يتكلم عند الموت ، لا يتكلم إلا العمل الصالح ، قال شيخه : وكان كلما جاء إلينا أدعوه ليؤذن بدلاً من مؤذن هذا المسجد ، فقد كان صوته حسناً .
ما نوع بيتك ، يا ربي فيه جبصين يأخذ العقل ، هل تستطيع أن تتكلم هذا يوم الأجر ؟ لا تتكلم في القبر ، كنت أملك ثلاث سيارات واحدة للسفر وازنة ، وواحدة للمدينة خفيفة من أجل أن أصُفَّها في أي مكان ، وواحدة للمعمل ، هل يتكلم هذا يوم الأجر ، عندي أرصدة وأموال منقولة وغير منقولة ، أنا عندي معمل له ثلاثة خطوط هاتف ، أو خمسة خطوط ، لا يسمح لك إلا أن تقول شيئاً إلا العمل الصالح .
كان عليه الصلاة والسلام إذا أحس من الناس بغفلة ، جاء فأخذ بزاوية الباب ثم هتف ثلاثـاً يا أيها الناس ، يا أهل الإسلام أتتكم المنية راتبةً لازمةً ، جاء الموت بما جاء به ، جاء بالروح والراحة والكثرة المباركة لأولياء الرحمن ، من أهل الخلود هم الذين كان سعيهم ورغبتهم فيها ، ألا وإن لكل ساع غايةً وغاية كل ساع الموت ، سابق ومسبوق .
النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم يقول : كفى بالموت واعظاً .
أكثرُ شيءٍ يؤلمني أن الناس الذين يمشون بالجنازة حديثهم عن الدنيا وما فيها ، مرة مشيت في جنازة فأكثر شيء آلمني أن اثنين جنبي يتحدثان عن العقد الفلاني والصفقة الفلانية، وفلان خصم عليّ مبلغاً وأنا أريد أن أخصم عليه ، الميت أمامك وحديثك مِن مكان الخروج وإلى المقبرة حول الحسابات والتجارات والصفقات .
يقول سيدنا سعد ثلاثة أنا فيهن رجل وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس من هذه الثلاثة ، ما سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها .
هناك طرفة : إنسان سأل فقيهاً فقال له : أين أمشي وأنا أشيع الجنازة أأمشي أمامها أم خلفها أم عن يمينها أم عن شمالها ؟ فقال هذا الفقيه مداعباً لا تكن في النعش وسر أينما شئت.
إذا مات شخص فالبقية لديهم بحبوحة ، أفسح لهم في أجلهم ، أنت حينما تستيقظ يعني أن الله سمح لك أن تعيش يوماً آخر ، ما من يوم ينشق فجر إلا وينادي منادٍ يا ابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة .
مرة زرت كلية الطب ، وبدافع الفضول أردت مع بعض صحبي أن نشاهد المكان الذي يجري فيه تشريح الأموات ، قال لي الآذن هنا مصنع عال مملوء بمادة معينة ، فيه ما بين عشرين إلى ثلاثين جثة ، ضمن المحلول ، فهذا ظاهرة يده وذاك رجله وهناك رأس بارز ، هم مغطّسون بمحلول لكن الذي لفت نظري عَصاً فيها شنكل ، فقلت: لمَ هذه ؟ فقال : من أجل أن يسحبوا بها الموتى واحداً واحداً !
فهذا الميت مثلاً كان شخصاً ، له بيت ، وأولاد ، وزوجة ، كان يخيف أحياناً ، أو كان جميل الصورة ، كان له طعام خاص يحبه ، كان له جلسات ، قام بنزهات كثيرة فأين هذه النزهات ؟ بالعصا ذات الشنكل سحبهُ ورفعه !
مشاهد الموتى مفيدة جداً ، لو مَرّت جنازة و لا تعرف صاحبها اتبعها فعندما يفتحون النعش ، ويحملون الميت ، ترى كيف : التفت الساق بالساق ويدخلونه إلى القبر ويضعون الرقاقة ، وانتهى . هذا مصير كل واحد .
مرة حضرت تغسيل ميت ، فالمغسل بعد أن انتهى وكفنه ، جاء بقطعة قماش قطعها بأسنانه فصارت طويلة أنزلها بالماء من أجل أن تمسك جسد الميت ولف رجليه ، وشدها وعقدها بحيث لا تنفك عنه حتى تبلى ، هذا معنى قوله تعالى :
( سورة القيامة )
خلال خمس وثلاثين سنة ما صلى فرض صلاة ، ولا حج ولا اعتمر وترك خمسة آلاف مليون ، وكان في بلاد الحجاز مقيماً في جدة ووافته المنية هناك .
فالإنسان إذا عاش من دون هدف أحمق ، فالذي يجمعه في حياته كلها يأخذه الموت في ثانية واحدة ، يوجد سلطان ظالم غشوم ، أحب أن ينتقم من شيخ النجارين ، فطلب منه شيئاً فوق طاقته ، قال له أريد منك مائة كيس نخالة أو نشارة ، فلا يجتمع له ذلك ولا بسنتين ، أو يقتله هذا الملك فَهِمَ النجار أنه مقتول فكتب وصيته وودع أولاده ، و في الفجر طرق الباب فقبّل أولاده ، لأنه ظن أنه مقتول لا محالة ، فقيل له الملك مات نريد أن تصنع له نعشاً .
سبحان من قهر عباده بالموت ، الإنسان لا يعرف متى يموت ، كيف يموت ، وهناك شخص غادر إلى أمريكا بمهمة رسمية وفي المطار وهو جالس على كرسي في المطار فارق الحياة ، سافر عشرين ساعة في الجو ليموت في مطار واشنطن ، شاب خطب فتاة مات ! وترك أموالاً طائلة ولم يعقد العقد ، فهي تمنت لو أنه قد كتب الكتاب لكان لها أموال طائلة .
قيل يا رسول الله هل يحشر مع الشهداء أحد ؟ قال : نعم من يذكر الموت في اليوم والليلة .
وقال تعالى :
( سورة الملك )
أحسن عمل ، قال أكثركم بالموت ذكراً وأحسنكم له استعداد ، وأشدكم خوفاً وحذراً .
رجل جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال يا رسول الله : مالي لا أحب الموت ؟ قال : ألك مال ، قال : نعم ، قال : قدمه أمامك فإن قلب المؤمن مع ماله إذا قدمه أحب أن يلحق به، وإن أخره أحب أن يتأخر معه .
إذا إنسان يائس من بلد ، باع البيت وحَوّله للخارج ، باع السيارة وحولها باع المعمل وحوله ، ولم يدع شيئاً ، بعد أن حول أمواله قدم جواز السفر ليأخذ سمة خروج وفي المطار أخذ بالصعود وإلى الطائرة ، وأنا أعتقد أن هذا الإنسان الذي بهذه الصفات أسعد لحظات حياته عندما ركب سلم الطائرة ، لأنه قدم ماله أمامه ، وكذلك المؤمن إذا قدم ماله أمامه ، سره اللحاق به ، والذي خَلَّفه وراءه آلمه فراقه " ..فإن قلب المؤمن مع ماله إذا قدمه أحب أن يلحق به ، وإن أخره أحب أن يتأخر معه .
وكان أبو الدرداء رضي الله عنه قال : كفى بالموت واعظاً ، وكفى بالدهر مفرقاً ، اليوم في الدور وغداً في القبور .
انظر غرفتك أربعة في أربعة والسقف ثلاثة ونصف مدهن ، معلقة به ثريا مقعد وثير ، هاتف ، سرير مريح ، غرفة الطعام ، غرفة الضيوف ، مطبخ ، حمام ، المائة متر سوف تصبح خمسة وستين سم عرضاً بمائة وثمانين سم طولاً ، لا يوجد دهان ولا رخام ولا سيراميك ، ولا ألمنيوم ولا برونز ولا شيء بل على الأرض .
سيشيع إلى مثواه الأخير ، وما أكثر عبد ذكر الموت إلا ترك الفرح والحسد ، ومن أكثر من ذكر الموت قل فرحه وقلَّ حسده ، وكفى بالموت مزهداً في الدنيا مرغباً في الآخرة .
وقال النبي الكريم لأحد أصحابه : استعد للموت قبل الموت ، مرة قرأت كلمة في مدينة فاس في المغرب ، فيها منطقة إسلامية وشوارع ضيقة ، ومسجد مشهور جداً ، مكتوب على بعض المحلات صلِّ قبل أن يصلى عليك .
بعض العلماء يقول :
ما أحد ينزل الموت حق منزلته إلا عبد عد غداً ليس من أجله كم
من مسـتقبل يـوماً لا يستكمله و كــم مـِنْ راجٍ غداً لا يبلغه
إنـك لو تـرى الأجل ومسيره لأبغضـت الأمـل و غـروره
وقال بعض العلماء : انظر : فالذي تحب أن يكون معك في الآخرة فقدمه اليوم ، وانظر الذي تكره أن يكون معك في الآخرة فاتركه اليوم واخرج عنه ، وكل عمل كرهت الموت من أجله فاتركه ، ثم لا يضرك متى مت .
والحمد لله رب العالمين