المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بحث عن معركه الجهراء


أبو فالح
07-03-2008, 06:35 AM
الأوضاع العامة قبل معركة الجهراء

بعد هزيمة الأتراك في الحرب العالمية الأولى واندحار حلفائهم فيقلب الجزيرة العربية المتمثل في بيت آل الرشيد أصبح الإمام عبدالعزيز آل السعود هو السيد المطاع في معظم أنحاء الجزيرة العربية وقد تعززت هذه السيادة بعد انتصاره الساحق على أشراف مكة في معركة (تربة) (تقع "تربة" في الطرف الشرقي من بادية الحجاز على طريق مدينة الطائف وكانت في الماضي مثار نزاع بين السلطات الحجازية والسعودية وبعد فك الحصار على المدينة المنورة واستسلام الجيش التركي اتجه قسم من الجيش النظامي الشريفي بقيادة الأمير عبدالله بن الحسين نحو تربة واحتلها وكان الرد السعودي على ذلك الهجوم سريعاً وحاسماً باحتلال تربة وكانت غالبية الجيش السعودي من قبيلة عتيبة بقيادة سلطان بن بجاد والشريف خالد بن لؤي الوهابي المذهب وقد نجا الأمير عبدالله بن الحسين من تلك المعركة بأعجوبة بعد أن تشتت شمل جيشه).

إلا أن طموح الأمير السعودي لم يقف عند ذلك الحد ولا سيما أن موارد البادية ضئيلة ومحدودة ومع أن الأمور أصبحت أحسن حالاً بعد احتلاله الإحساء عام 1913.

وحالة البادية معروفة منذ أقدم العصور فالهجرة من الصحراء إلى الأماكن الأحسن حالاً لم تنقطع في يوم من الأيام. والهجرة كما هو معروف إما أن تكون جماعية مثل هجرة قبيلة بكاملها أو الهجرة الفردية، وهجرة القبيلة أو العشيرة تكون عادة بسبب الحروب أو الاضطهاد من القبائل الأقوى أو لسبب القحط وقد فرضت الطبيعة على البدوي معيشية شاقة ولهذا برزت عنده طبيعة الغزو فهو أشبه بالطير الجارح الباحث عن فريسة.

ويحدثنا الشيخ حافظ وهبه في هذا المجال في كتابه جزيرة العرب في القرن العشرين صفحة 287 فيقول "عرفت البدو في حياتهم البدوية وعرفت كثيراً من قادتهم في جاهليتهم وفي إسلامهم وعرفتهم بعد أن سكنوا (الهجر) (قرى سكنها البدو بعد أن هجروا حياة البادية) فرأيت الدين قد غيرهم تغييراً تاماً. كان البدوي لا هم له إلا النهب والسلب وقطع الطريق ثم يعد هذا العمل من مفاخر البادية وكان لسان حالهم يقول -المال مال الله، يوم لي ويوم لك، نصبح فقراء ونمسي أغنياء ونصبح أغنياء ونمسي فقراء- والقوافل التجارية كانت تحت رحمة البادية. لا تمر من المنطقة إلا بأتاوة أو مجيز. والبدوي لم يكن أبداً مخاطراً بحياته فإذا النهب سيكون من ورائه خطر تركه. وكذلك إذا رأى دفاعاً قوياً في خصمه تركه. ولذا فلا يعول الأمراء كثيراً على عددهم ولا على قوتهم وكثيراً ما كانوا وبالاً على صديقهم فإذا بدرت منه بوادر الهزيمة كانوا أول الناهبين له ويحتجون بأنه إذا كان صاحبهم منهوباً أو مأخوذاً -كما يقولون- فهم أولى به". ثم يواصل حديثه فيذكر:

"أما (الإخوان) الآن فهم حماة الطريق ويرون حرمة التعدي على المسافر وابن السبيل وأصبح (الإخوان) لا يهابون الموت بل يندفعون اندفاعاً طلباً للشهادة وأصبحت الأم عندما تودع ابنها تودعه بهذه الكلمات -جمعنا الله وإياك في الجنة- وأصبحت كلمة التشجيع على الحرب -هبت هبوب الجنة وينك يا باغيها- ولقد شاهدت بعض مواقعهم الحربية فوجدتهم يقذفون بأنفسهم قذفاً ويتقدمون إلى أعدائهم صفاً صفاً، والإخوان على العموم لا تعرف قلوبهم الرحمة ولا يفلت من تحت يدهم أحد منهم".



مركز الكويت كميناء مثالي في رأس الخليج

ومدينة الكويت بكونها ميناء بحرياً ممتازاً ومركزاً تجارياً هاماً فهي دون منازع بوابة البادية الأولى وذلك منذ تأسيسها في منتصف القرن الثامن عشر وقد تعرضت لعدة هجمات سواء من البحر أو من البر. فمعركة الرقة البحرية بين الكويت وقبائل بني كعب عام 1779 حيث انتصر الكويتيون انتصاراً ساحقاً على أعدائهم ثم الهجوم الوهابي من البر والذي أشار إليه ممثل شركة الهند الشرقية في تقاريره عام 1793 (تاريخ الكويت -تأليف الدكتور أبو حاكمة- إشراف لجنة تاريخ الكويت صفحة 184 وصفحة 255). والواقع أن الكويت كانت دائماً المستفيد من توازن القوى في المنطقة بفضل السياسة الحكيمة المعتدلة التي اختطتها لنفسها منذ القدم. فابتعاد الكويتيين عن اعتناق المذهب الوهابي أبعد عنهم كابوس النفوذ التركي وقد سبقت الإشارة إلى المكانة التي وصلت إليها الكويت في عهد الشيخ مبارك وما أن بزغت شمس القرن العشرين حتى غمرت الكويت انطلاقة جديدة تمشت مع روح العصر فتوسعت تجارتها وامتد نفوذها بحراً وبراً وظهرت فكرة خط برلين بغداد الذي كان مفروضاً له أن ينتهي عند كاظمة ولكن نشوب الحرب العظمى حال دون تحقيق ذلك المشروع الطموح.

وظلت الكويت تتمتع بهذا الاستقرار السياسي مستفيدة من الظروف الاقتصادية أيام الحرب و بعدها وكان لأسطولها التجاري البحري دوره الكبير في هذا المجال زد على ذلك استعداد أهلها الفطري وحسن معاملتهم وأمانتهم التي يشهد لهم فيها من تعامل معهم وجاءت مشكلة الخلاف بين الشيخ سالم وابن السعود فتعكر صفو تلك الأجواء المريحة لفترة من الوقت كما سنرى.



الخلاف على الحدود وبداية المشكلة

يقول ديكسن "في 26 ديسمبر 1919 دخل ابن السعود في اتفاقية مع حكومة صاحب الجلالة لأمر يتعلق بالاتفاقية الإنجليزية التركية وأن الحدود بين الكويت وإبن السعود تبقى موضع بحث وتنتظر البت".

ولا شك أن الأمير ابن السعود انتهز فرصة الخلاف بين سالم والبريطانيين وهنا تظهر المقدرة على الاستفادة من الفرص المواتية والقدرة على المناورة مع الأصدقاء والخصوم على السواء. وكما استطاع ابن السعود فيما بعد بدهائه وبعد نظره أن يستغل الخلاف الذي حدث بين الملك حسين بن علي وبين الإنجليز حول مضمون ومفهوم الدولة العربية فقد كانت طموحات الملك حسين وعناده الذي اشتهر به أبعد مما تسمح به معاهدة (سايكس بيكو) التي عقدت بين فرنسا وبريطانيا عام 1916 والتي تم فيها تحديد مناطق النفوذ في منطقة الشرق الأوسط ثم تلا ذلك وعد بلفور عام 1917 خلافاً لما تم الاتفاق عليه مع العرب - فقد رفض الملك حسين توقيع معاهدة مع بريطانيا عام 1923 والتي كان المفروض فيها تحديد المناطق العربية التي تقع تحت سيطرته في حين تم تنصيب ابنه الأمير فيصل ملكاً على العراق عام 1921 والأمير عبدالله بن الحسين أميراً على شرق الأردن. إن رفض توقيع المعاهدة المشار إليها أخلت سبيل الإنجليز حسب مفهومهم وأعطت الفرصة للسلطان عبدالعزيز السعود لأن يضرب ضربته القاضية وهو العارف بمواطن الضعف في الكيان الحجازي الجديد وهكذا تم له احتلال الحجاز بأسهل مما كان متوقعاً وذلك في عام 1924-1925 (للمزيد من المعلومات حول فتح الحجاز راجع "خمسون عاماً في جزيرة العرب والجزيرة العربية في القرن العشرين للشيخ حافظ وهبة").

أبو فالح
07-03-2008, 06:35 AM
بداية الأزمة

يقول عبدالعزيز الرشيد أن ابن سعود بدأ يناور لاستفزاز سالم وإثارته بالإيعاز إلى أحد قواده -ابن شقير- في البناء في حدود الكويت وقد أمره سالم بأن يتوقف (المنطقة المقصودة هي قرية أو (جرية) والني ألحقت فيما بعد ضمن الحدود السعودية بموجب اتفاقية العقير عام 1922) عن المحاولة ولكن ابن شقير رفض الانصياع لأوامر الشيخ سالم وأجاب بأنه يتلقى أوامره من ابن سعود كذلك فإن ابن سعود لم يكتف بما قام به ابن شقير بل أنه أوعز إلى جماعة من قبيلة مطير التابعة له بالإغارة على أطراف الكويت والتحرش بقبائلها وقطع سبلها وما كان لقبيلة مطير أن تقوم بمثل هذه المحاولة دون رضى ومعرفة سلطان نجد.

أما الدكتور ملري طبيب المستشفى الأمريكي في ذلك الوقت يقول في مذكراته الكويت قبل النفط (الدكتور ستانلي مليري هو طبيب إنجليزي التحق بالبعثة التبشيرية الأمريكية قي الخليج منذ عام 1907 وجاء إلى الكويت لأول مرة عام 1911 وأشرف على تأسيس مستشفى البعثة التبشيرية الأمريكية وقد زاول مهنته في ظروف صعبة نظراً لعدم توفر وسائل العلاج اللازمة في ذلك الوقت وقد أحب الكويت وأحبه أهلها. وظل يؤدي واجبه الإنساني حتى وفاته في عام 1952 في الكويت حيث دفن فيها).

يتميز عام 1920 بازدياد حدة التوتر بين الكويت وابن السعود حيث بلغت سطوة ابن السعود أوجها وأصبح الإخوان في نظر الناس قوة لا تقهر ويضيف قائلاً ومن المؤكد أن ابن السعود كان يتطلع إلى الكويت بشوق نظراً لمينائها العميق، وكان الشيخ مبارك العظيم الوحيد القادر على التعامل مع ابن السعود وتجنب الحرب معه، يرقد في قبره منذ أربع سنوات.

وقد ازدادت تحرشات الإخوان بالكويت في ذلك العام - هذا بعض ما قاله (ملري) حول الخلاف وهو قريب الشبه لما قاله ديكسن وابن الرشيد في هذا المجال ويقول ابن الرشيد بأنه يعرض وجهة نظر كل من أنصار سالم وأنصار ابن السعود حول موضوع الخلاف. و هو مبدأ يشكر عليه كما سبقت الإشارة في الصفحات الماضية.



ما يقوله أنصار ابن سعود

1. إن ابن سعود لقي من سالم صدوداً وإعراضاً في زيارته للكويت أيام حكم جابر وهذا أول شيء أثار حفيظة ابن سعود على سالم.

2. وقوف سالم في وجه إبن سعود عندما أراد الإجهاز على العجمان بعد حادثة الإحساء وبعد أن أصلح معهم سالم بأمر من أبيه.

3. إيواء سالم للعجمان وقبضه عليهم وهو يعلم أنهم من ألد أعدائه.

4. نفرة سالم من مذهب الوهابيين والسماح للبعض لعقد مجالس الوعظ التي ترميهم فيها بفساد العقيدة وبالجهل والتعصب.

5. بتمييزه لوفود ابن الرشيد بالحفاوة والإكرام على وفوده وهو يعلم ما بين الاثنين من العداء المتفاقم.



ما يقوله أنصار سالم

1. الجفاء الذي أظهره ابن سعود للكويت وأهلها والسعي الحثيث ضد مصلحتها وهو الغريق بإحسانها المشمول بنعمة حكامها ووجهائها يوم أن كان صفر الكفين من الحكم.

2. تزكية ابن السعود للعوازم -أي جباية الزكاة- وهم من قبائل الكويت، واعتذاره بخطأ أعماله ليس بشيء وكل من عرف دهاء الرجل لا تخفى عليه الحقيقة التي يريد عظمته سترها.

3. تكفير (الإخوان) لأهل الكويت وسالم في معيتهم وشدتهم إذا ما ولجوا أسواقها واختلطوا بأهلها.

4. المراوغات التي أجراها ابن سعود مع مبارك والاعتداءات التي وجهها إليه أيام حياته وما يؤذي الأصل يؤذي الفرع ويضيف عبدالعزيز الرشيد بأن سالماً مع هذه الحجج القوية لم يكن البادئ بإشعال نار الحرب وإراقة الدماء.

وهكذا استمرت بعض قبائل مطير تشن الغارة تلو الأخرى تحرشاً بسالم وإثارته وصادف في ذلك الوقت أحد زعمائها في الكويت (يقال انه جفران الفقم "المؤلف") وحدث بينه وبين الشيخ سالم جدل عنيف اضطر بعده سالم إلى طرده من الكويت احتجاجاً على ما قامت به قبيلته من اعتداءات فخرج من الكويت غاضباً ومتوعداً فرأى سالم أن يأخذ بعض الاحتياطات فجاءت عكس المطلوب كما سيأتي (تاريخ الكويت - عبدالعزيز الرشيد صفحة 211).



واقعة حمض

أرسل الشيخ سالم دعيج بن سليمان القائد البري على رأس سرية إلى فيافي (قرية) أو جرية كما تسمى عادة وأمره بأن يضرب خيامه هناك تصدياً لابن شقير الذي شرع في البناء هناك وقد أمر الشيخ سالم قائده بأن لا يقوم بعمل إلا باسترشاده وعلم ابن سعود إذ ذاك بأن الفرصة قد حانت وأوعز من طرف خفي إلى فيصل الدويش بالهجوم وكان ذلك يوم 28 شعبان 1338 هـ وكانت الهزيمة شاملة لجيش دعيج ابن سليمان الذي كان مقيداً بسلاسل أوامر سالم كما يقول عبدالعزيز الرشيد وقد فقد سالم قوة عظيمة في جيشه ومالاً وفيراً يتمثل في آلاف من الإبل والأغنام التابعة للكويت.

وعلى أثر هذا الحادث أرسل الشيخ سالم وفداً إلى الأمير ابن السعود وحمله رسالة يشرح فيها ما حدث ويطالب برد المنهوبات، والوفد برئاسة عبدالعزيز الحسن وعبدالله السميط (عبدالعزيز الحسن من الشخصيات المقربة عند الشيخ سالم وهو من أهالي مدينة بريدة كما ذكر لي الحاج يوسف الحميضي، أما عبدالله السميط فهو من الشخصيات الكويتية المعروفة "المؤلف"). وصل الوفد إلى الرياض وقابل ابن السعود الذي بدأ يلوم سالم على مداراته لرجال ابن الرشيد عدوه اللدود.. كذا.. ثم حرر كتاباً شديد اللهجة ومما جاء فيه الطلب إلى سالم بأن يتنازل عن سلطته على العشائر التي تحت يده وعلى أن لا يخرج من الكويت جيشاً مقاتلاً وسلم الرسالة إلى ناصر بن فرحان الذي اصطحب الوفد عند رجوعه. استلم سالم الرسالة ورد عليها بما يناسب وهو أن طلب ابن سعود وشروطه مجحفة في حق الكويت. استلم ناصر ابن فرحان الرسالة وسار بمعيته مبارك بن هيف وهلال. ووصل الرسل إلى ابن سعود وسلموه الرسالة فازداد غضباً على غضب وهدد وتوعد وعاد الرسل إلى الكويت وفجروا هذه الأخبار في صفاة الكويت والتي كانت أشبه بإعلان الحرب كما يذكر ابن الرشيد ثم يضيف أن من حظ الكويت أن تأخر هذا الإعلان حتى اكتمال بناء السور (المصدر نفسه صفحة 215) ويذكر أمين الريحاني حول حادث حمض فيقول كتب ابن السعود إلى سالم كتاباً ذكر فيه "السبب في هذا الحادث تدخلكم فيما لا يعنيكم اعلموا أن لا حق لكم في بلبول أو قرية وإني أرى أن يقرر ذلك في عهد بيننا وبينكم فنرعاه. أما ما كان لآبائك وأجدادك حقاً على آبائي وأجدادي فإني معترف به (تاريخ نجد للريحاني -صفحة 245، ودوحة بلبول أو بليبيل هي آخر حدود الكويت من الجنوب أيام الشيخ مبارك- "المؤلف").

أما الكولونيل ديكسن فيقول ان الشيخ سالم طلب مساعدة الحكومة البريطانية مؤكداً أن ما قام به فيصل الدويش في حمض لا مبرر له ولكن ابن السعود أنكر ذلك بشدة في عدة رسائل موجهة إلى الحكومة البريطانية وألقى باللائمة كلها على الشيخ سالم.

وعندما سئل ابن السعود عن الحدود التي يدعي بها أكد أن حقه حتى أسوار مدينة الكويت ولكنه أخبر بأن حكومة صاحب الجلالة تعترف بالحدود الداخلية التي رعتها الاتفاقية الإنجليزية التركية لعام 1913 على أنها تخص الكويت ولا تقبل المناقشة (إن اتفاقية 1913 بين الأتراك والبريطانيين كما سبقت الإشارة إليها قسمت الكويت إلى منطقتين الأولى منطقة مدينة الكويت وما جاورها وتبدأ من الحدود العراقية عند سفوان وتنتهي عند هضبة القرين. أما المنطقة الثانية وغالبيتها تشمل بادية الكويت التي تسكنها القبائل الخاضعة للشيخ مبارك فتشمل منطقة أوسع تبدأ من فتحة خور الزبير ثم تتجه جنوب سفوان وجبل سنام حتى يصل الباطن إلى الجنوب الغربي باتجاه حفر الباطن ثم نحو الجنوب الشرقي قرب الحبا ثم تتجه شرقا نحو جبل منيفة وبلبول أو (بليبيل) وتبلغ مساحة المنطقتين ما يقارب السبعة والخمسين ألف كيلو متراً مربعاً. ويقول عبدالعزيز الرشيد أن الشيخ سالم قدم احتجاجاً في ذي الحجة 1338 على تعديات ابن سعود وعلى طمعه في الكويت وحدودها وإصراره على عدم تسليم منهوبات الدويش فأجابته الحكومة بأنها ستعين مميزاً لتمييز الحدود بين الكويت ونجد على شرط أن يقبل الاثنان ما يحكم به. وقد أجاب الشيخ سالم:

1. إن حدود الكويت تمتد من جزيرة العمار جنوباً إلى قرب أنطاع وإلى وبره واللهابة والقرعة واللصافة إلى حفر الباطن وشمالاً إلى جبل سنام وسفوان وأم قصر.

2. إن كلا من الحاكمين هو المسئول عما يجري في حدوده من تعديات العرب الساكنين هناك.

3. إعطاء العشائر الحرية التامة في الانضمام إلى أي حاكم يرونه أقدر على حمايتهم. ويدفعون له دون غيره زكاة أموالهم.

4. إذا حدث شيء من الغارات بين البادية أو نزاع فالفصل فيه للحاكمين أنفسهما إلا إذا عجزا فيرجع الأمر إلى وكلاء الحكومة في الكويت والبحرين.

5. تكون التجارة حرة دون معارض.

تاريخ الكويت ص 216).

وفي أول جون (حزيران) أرسل الشيخ سالم وفداً إلى الرياض يشرح ما حدث في حمض ويطلب من ابن السعود إعادة المنهوبات وتعويض عائلات القتلى. رجع هذا الوفد في الثاني من يوليو (تموز) ومعه ناصر بن سعود الفرحان حاملاً رسالة من ابن سعود للشيخ سالم تشمل ذكر عدة أخطاء ارتكبها الشيخ سالم ضد ابن سعود ورعاياه مؤكداً أن الشيخ سالم لا يملك السلطة على جرية العليا أو أي بلد آخر يدعي به. كذلك أرسل ابن سعود للشيخ سالم رسالة طالباً توقيعه عليها ويطلب فيها تخليه عن جميع ما يدعي به شرق أو غرب (جرية).

ولما رأى الشيخ سالم أنه من غير الممكن التوصل إلى اتفاق مشرف مع ابن سعود إلا عن طريق المساعدة البريطانية فقد طلب حالاً من حكومة صاحب الجلالة النصيحة لأجل إرسال الجواب لابن سعود موضحاً بأن المناطق المتنازع عليها إنما تعود إليه بموجب اتفاقية 1913. وقد تمت إجابته بأن لا يوقع على كتاب الاتهام الذي وجهه إليه ابن سعود وأن يلتمس رسمياً تحكيماً ودياً من قبل الحكومة البريطانية وفي الوقت نفسه تم إفهامه بأن الاتفاقية البريطانية التركية ليست وثيقة تجعله طرفاً فعالاً فيها. وعلى أي حال فإنها قد عدلت بموجب الفقرة (6) من اتفاقية 26 ديسمبر (كانون الأول) 1919 بين حكومة صاحب الجلالة وابن السعود (من الواضح أن هذا التعديل المشار إليه تم بدون علم الشيخ سالم أو موافقته وهو ما جعل ابن السعود في وضع شجعه على تجاهل ادعاءات الشيخ سالم).

لقد تلقى الشيخ سالم هذه المعلومات بخيبة أمل ومرارة. وجرت عدة مراسلات طويلة بين الكويت وابن سعود والمندوب السامي البريطاني في العراق، على أثرها وافقت الحكومة البريطانية بشرط أن يتعهد كل من ابن سعود والشيخ سالم بتعهد مكتوب مقدماً بالقبول مدى الحياة بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن شعبه بقبول قرار الحكم. كذلك وطلب من الطرفين أن يجنحوا للسلم. وبعد عدة رسائل أرسل الشيخ سالم موافقته في 17 سبتمبر (أيلول) وكرر ادعاءاته السابقة. وقد عمل ابن السعود نفس الشيء في كتابه المؤرخ في 5 سبتمبر (أيلول) -تم إستلامه في 17 سبتمبر- والذي كرر فيه أن سلطة الشيخ هي داخل حدود السور الجديد حول الكويت.

في الوقت نفسه أرسل ابن سعود رسالة إلى ابن شقير في (جرية العليا) يأمره فيها بناء حصن هناك حيث عارض الشيخ سالــم مثل هذا الإجــراء لا سيما أن هذا الأمر جاء بعد قبول ابن سعود شروط التحكيم التي وضعتها حكومـــة صاحب الجلالة وقد أحــدث هـــذا التصـــرف استياءاً عظيمــاً في الكويت (الكويت وجيرانها Kuwait & her neighbours P.252 – 253 ويرى القارئ تقارب ما ذكره عبدالعزيز الرشيد حول موضوع الخلاف مع ما يذكره ديكسن "المؤلف").

أبو فالح
07-03-2008, 06:35 AM
بناء السور
[size=4]
هناك إجماع من المواطنين والأجانب على السواء بأن بناء السور في عهد الشيخ سالم كان حدثاً عظيماً في تاريخ الكويت وكان له أثره الفعال بالنسبة لأمن الكويت وفقاً لمفاهيم تلك الأيام ولنر ما كتبه الدكتور ملري طبيب البعثة التبشيرية الأمريكية وكان في الكويت في تلك الأيام الصعبة فيقول "قام الشيخ سالم في 22 مايو (أيار) بتدشين بدء العمل في بناء سور جديد للمدينة وكان هذا ثالث سور للمدينة في تاريخ الكويت. أما السوران السابقان فقد تجاوزتهما المدينة المتسعة باستمرار منذ زمن بعيد وكان السور الجديد يمتد في شكل نصف دائري خلف الكويت من البحر إلى البحر.

وكان بناء هذا السور آية في التنظيم فقد فرضت الضريبة على سكان المدينة. وتم تعيين مسئوليات محددة لرجال المدينة البارزين وعين شخص مسئول على الحفر وآخر عن الصلصال (الطين) وثالث عن المواصلات وكان الصلصال المادة الرئيسة المستعملة في البناء وبما أن بناء السور كان سيبلغ ثلاثة أميال، وسمك جداره ستة أقدام، وارتفاعه عشرين قدماً فإن كمية الصلصال المطلوبة كانت هائلة. وعين رجل آخر مسئول عن توفر الجص والملاط بكميات كافية، ورابع مسئولاً عن طعام آلاف العمال وخامس عن حل مشكلة توفير مياه الشرب للعاملين.

واستمر العمل الجاد طوال الصيف اللاهب وتم بناء السور في سبتمبر أي خلال أربعة أشهر (عبدالعزيز الرشيد وديكسن يذكران مدة انتهائه بشهرين فربما يقصدان هيكل السور ويقصد الدكتور ملري التشطيبات النهائية للأبراج وغيرها "المؤلف") وامتد السور أكثر من ثلاثة أميال وعزل المدينة تماماً من ناحية البر وقد جرى من طرفيه داخل البحر وإلى مدى أبعد من المياه الضحلة الراكدة لمنع العدو من تسلق السور أثناء الجزر. وكان للسور ثلاث بوابات وبوابة رابعة خاصة بالأمير قرب قصر دسمان (لقد أضيفت بوابة خامسة من جهة الغرب عند المسلخ القديم لا تزال آثارها باقية وتسمى بوابة المقصب).

وكانت البوابات أشبه بالحصون المنيعة وقد زود السور بأبراج لها فتحات تطلق منها النار كل ثلاثمائة ياردة وكانت هناك على طول السور عارضات خشبية يمكن للمسلحين الوقوف عليها وإطلاق النار على العدو من فتحات في الجدار. وهكذا كان السور آخر خط للدفاع وآخر إنجاز في فن الدفاع كما يفهمه العرب وأصبحت الكويت مدينة مسورة.

ولم أتمالك نفسي وأنا أشهد تحفة سالم من استعادة كلمات الشيخ مبارك العظيم عندما سألته لماذا لم يبن سوراً حول الكويت وأجابني.. أنا السور! (الكويت قبل النفط صفحة 84 مخطوطة الدكتور ستانلي ملري ترجمة وتقديم دكتور محمد غانم الرميحي وباسم سرحان).

أما الشيخ عبدالعزيز الرشيد فيذكر أن "في أثر حادثة حمض التي أولجت الخوف في الأفئدة وأطارت النوم من الأعين صمم سالم على إحاطة المدينة بسور منيع ليصد عنها الهجمات ويطفئ به جمرة الخوف التي اتقدت ويخفف من الوساوس التي ساورت الناس إذ ذاك وأزعجتهم ولم يقبل فيما رأى أخذاً ولا رداً من دهشوا من تصميمه وعدوه قضاء على حريتهم التي كانوا بها متمتعين. وقد اشترك الكويتيون عموماً في بنائه وبذلوا همة عظيمة يندر مثلها ويكفي أنه لم يمض عليه إلا شهران حتى كان سوراً كاملاً وهو من الطين الخالص إلا أبراجه فمن الطين واللبن معاً، أحد طرفيه في شاطئ الجون الشرقي والآخر في الشاطئ الغربي و له أربعة أبواب منها باب (نايف) الشامية والبريعصي "الشعب" - وبنيد القار "الصباح" ولم يذكر بوابة الجهراء - وطوله خمسة أميال تقريباً وقد قام الأهالي بنفقته كلها ولم تمدهم الحكومة ولا بدرهم واحد (تاريخ الكويت صفحة 213).

أما الدكتورة الينانور كالفرلي طبيبة النساء في المستشفى الأمريكي فقد أشارت إلى بناء السور وكيف أن رجال الكويت هبوا يداً واحدة في عملية البناء وعن أحاديث النساء عند زيارتهن للمستوصف لم يكن غير موضوع السور وعن فضائح فيصل الدويش وكيف أنه في غزواته السابقة تخطى أعراف حرب الصحراء التي تمنح الحماية للنساء والأطفال، "لقد حدثنني عن كيفية معاملة جيشه للأسرى من النساء والأطفال مما لا يمكن ذكرها لبشاعتها" ثم تستمر الدكتورة في وصف السور حيث نهايته من جهة الغرب تبعد حوالي ثلاثمائة ياردة عن بيتها وكانت تشاهد الرجال المدججين بالسلاح في حركة دائمة عند الساحل بالقرب من المستشفى. وفي اليوم الثامن من أكتوبر تقدم العدو نحو الجهراء. ثم تقول "لقد علمنا أن الشيخ سالم في الجهراء وجعل مركز قيادته في القصر ولم توجد اتصالات تلغرافية أو تلفونية فكانت الأخبار تأتي متأخرة" (My Arabian days and nights, by Eleanor Caverlay M. D. page 119).

وعلى ذكر بناء السور فإني أذكر جيداً تلك التجمعات الهائلة من الرجال ليلاً حيث صادف البناء صيفاً وفي شهر رمضان فكان الليل هو الوقت المناسب في تلك الأيام الصعبة.

وكنت أشاهد تجمعات الرجال بعد صلاة العشاء في (براحة المطوع) من محلة القناعات. فإذا اكتمل العدد سارت تلك الجموع بأهازيجها الحماسية فمن هنا جماعة تحمل معدات البناء على أنواعها وهناك جماعة يرقصون رقصة الحرب (العرضه) على أنغام الأهازيج الشعبية وقرع الطبول. ثم تتلاقى الفرق القادمة من كل صوب ويشتد الحماس، وعند الوصول للموقع يتوزع القوم كل في جهته يمارس المهنة التي أوكلت إليه، فجماعة تخرج الماء من الآبار وأخرى تجمع الطين وتعبئه في السلال (الزبلان) المصنوعة من خوص النخيل. وكنا نحن الأطفال نمشي مع هذه الجموع الغفيرة مرة خلفها ومرة أمامها أو نندس بينها وكانت هذه المناسبة بالنسبة لنا متعة ما بعدها متعة. أما الأكبر منا سناً فكانوا يحملون الفوانيس النفطية وكانت توقد النيران هنا وهناك لزيادة الإضاءة أو لعمل الشاي، ويبقى الحال هكذا حتى قبيل موعد السحور بقليل حيث ترجع الفرق عائدة إلى المدينة ويذهب كل إلى بيته حتى الأمسية القادمة طيلة شهر ليالي رمضان من ذلك العام (1338 هـ) بهذه الصورة الرائعة من التعاون والتآزر بين أبناء الوطن الواحد تم بناء السور. لقد مضت ستون عاماً على تلك الأحداث الفريدة ولكن لا تزال آثارها عالقة بالذاكرة فكأنها حدثت في الأمس القريب.



معركة الجهراء

حدثني السيد عبدالعزيز عبدالمحسن الراشد -رجل الأعمال الكويتي المعروف- وقد شارك في تلك المعركة التي أصيب فيها بعدة جروح في جسمه. يقول "لقد كنا في القصر الأحمر مع الشيخ سالم وكنا نسمع باقتراب جيش فيصل الدويش وفي صباح ذلك اليوم -يقصد العاشر من أكتوبر- أرسل الشيخ سالم مبارك بن هيف الحجرف ليسبر حركة فيصل الدويش وإذا به بعد قليل يعود إلينا فوق صهوة جواده ملوحاً بيده مشيراً بأن الدويش يزحف بقواته على مقربة من مشارف الجهراء ولم يمض وقت طويل حتى بانت رايات الجيش الغازي وكانت ثلاث بيارق بالألوان الأبيض والأحمر والأخضر الذي هو علم ابن سعود ثم ما هي إلا لحظات حتى اشتبك الفريقان واشتد القتال و(الإخوان) لا يبالون بالموت فكلما سقط صف تقدمته صفوف وسقط منا قتلى ولكن قتلاهم أكثر ثم بدت قواتهم تتسرب في عدة جهات مما اضطر القوات الكويتية إلى التقهقر نحو القصر الأحمر، ويضيف السيد عبدالعزيز الراشد أنه وصل إلى القصر الأحمر في آخر لحظه وكان باب القصر على وشك أن يغلق ثم يقول إن المعركة انتهت في حوالي الساعة التاسعة صباحاً.

وقد أخبرني الشيخ علي الخليفة الصباح وهو أحد القادة الذين اشتركوا في المعركة حيث التقيت به في لبنان قبل وفاته عام 1942. قال لي إنه كان هناك اختلاف في القيادة وعلى توزيع القوات المدافعة مما أضعف من وضع القوات الكويتية وسهل في سرعة تقدم الإخوان. ومثل هذه الخلافات غير مستغربة في مثل هذه الحروب الصحراوية غير النظامية والأمثلة على ذلك كثيرة جمعناها من رواة تلك الحروب أما الشيخ عبدالعزيز الرشيد فبعد وصفه لمقدمات المعركة وهو شاهد عيان يذكر أيضاً كيف التجأ إلى القصر (تاريخ الكويت - صفحة218 - منشورات دار مكتبة الحياة بيروت 1961) قبل أن تغلق الأبواب وكيف وجده مكتظاً بالرجال والنساء و الأطفال وعلى وجوههم إمارات الخوف والفزع. وكذلك يصف وضع الجرحى كما أدهشه ما شاهده في الشيخ سالم من الثبات ورباطة الجأش ثم يذكر عن قرار الشيخ سالم فيما بعد بإرسال مرشد الشمري ومرزوق بن متعب بن عبد الكريم طلباً للنجدة من الكويت وكيف فاجأت تلك المبادرة الجريئة الأعداء وقضت على آمالهم في استمرار الحصار على القصر. ومما زاد في بلبلة الوضع عند الإخوان نفاذ الذخيرة عند الكثير منهم. ويضيف ابن الرشيد أن فيصل الدويش أرسل أحد أعوانه المدعو مطلق بن سعود ليفاوض الشيخ سالم بالصلح وقد علم الكويتيون من الرسول عن خسائر (الإخوان) الفادحة في الأرواح ونفاذ الذخيرة. عاد الرسول إلى قومه وأخبرهم برغبة الشيخ سالم بالصلح وقد أرسل فيصل الدويش رسولاً آخر يدعى منديل بن غنيمان وهو أحد أقاربه فقال للشيخ سالم ان الدويش يريد مصالحتكم وهو يدعوكم إلى الإسلام وترك المنكرات والدخان وتكفير الأتراك (المعروف أن الأتراك تمت هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى 1914- 1918 "المؤلف") فإن أذعنتم لما أراد أسلمكم على القصر ومن فيه فأجابه الشيخ سالم "أما الإسلام فنحن مسلمون ولم نكفر به والإسلام مبني على خمس أركان ونحن نحافظ عليها ونزيل من المنكرات ما وسعنا إزالته وأما تكفير الأتراك فلم يثبت عندنا ما يوجب التكفير".

وقد جرى ذكر فقيه (الإخوان) ابن سليمان فقال الشيخ سالم أريده أن يأتي إلى هنا ليحاور (فلان) يقصد عبدالعزيز الرشيد. ويضيف ابن الرشيد غادرنا ابن غنيمان وما بت في شيء مما جرى ولم يظهر أيضاً شدة من رفض سالم لما طلب وبعد هنيهة من ذهابه سمعنا رمياً متواصلاً قرب شاطئ البحر فقلت: قتال بين (الإخوان) وبين إخواننا من أهل السفن وبذلك ترجح لدي أن (الإخوان) خدعونا بما حصل فلما أعلمت سالماً بما رأيت ورجوته فتح الأبواب لنصرة إخواننا المقاتلين ولكنه قال لي انهم سيدافعون عن أنفسهم بأنفسهم".

ثم يضيف "غربت شمس ذلك اليوم ولم يجيء إلينا أحد فأخذنا بالاستعداد للهجوم وبعد أن مضى هزيم من الليل هجم (الإخوان) وهم رافعون الأصوات بقولهم (إبراهيم يا عمود الدين، محمد رسول الله، هبت هبوب الجنة وين أنت يا باغيها".

هجموا وهم متأبطو المعاول وحاملو الفؤوس ولكنهم ما كادوا يتقدمون خطوات قليلة حتى أصيبوا بما لم يكن في حساب أصيبوا بسوقهم وبأرجلهم من فوهات صغيرة في أسفل القصر ورجعوا خائبين خاسرين وقد أثخن فيهم القتل والتجريح" ثم يقول:

"انبلج الصباح في اليوم الثاني وكانت مصيبتنا من العطش أعظم من كل مصيبة - مصيبة بلغ بنا اليأس أشده ونفذ منا ماء الجلد والصبر ولكن مركباً بخارياً خلفه سفن شراعية أبصرناه، إذ ذاك خفف علينا شيئاً من تلك الوطأة الثقيلة وكذلك ما تخيلناه من إقبال النجدات البرية وفيما نحن كذلك وقد رششنا بماء الأمل والحياة وإذا بعالم الإخوان عثمان ابن سليمان- قد أقبل لتكميل حديث الصلح فانفرد به سالم بأحد أبراج القصر وفي معيته الشيخ على الخليفة وكاتب هذه السطور فكان في حديثه لنا أن قال أن (الإخوان) هموا بالهجوم عليكم البارحة ولكن قلت إن فعلتم قبل أن تيأسوا من قبولهم الصلح فقاتلكم ومقتولكم في النار ومقتولهم في الجنة".

"

أبو فالح
07-03-2008, 06:35 AM
بناء السور

هناك إجماع من المواطنين والأجانب على السواء بأن بناء السور في عهد الشيخ سالم كان حدثاً عظيماً في تاريخ الكويت وكان له أثره الفعال بالنسبة لأمن الكويت وفقاً لمفاهيم تلك الأيام ولنر ما كتبه الدكتور ملري طبيب البعثة التبشيرية الأمريكية وكان في الكويت في تلك الأيام الصعبة فيقول "قام الشيخ سالم في 22 مايو (أيار) بتدشين بدء العمل في بناء سور جديد للمدينة وكان هذا ثالث سور للمدينة في تاريخ الكويت. أما السوران السابقان فقد تجاوزتهما المدينة المتسعة باستمرار منذ زمن بعيد وكان السور الجديد يمتد في شكل نصف دائري خلف الكويت من البحر إلى البحر.

وكان بناء هذا السور آية في التنظيم فقد فرضت الضريبة على سكان المدينة. وتم تعيين مسئوليات محددة لرجال المدينة البارزين وعين شخص مسئول على الحفر وآخر عن الصلصال (الطين) وثالث عن المواصلات وكان الصلصال المادة الرئيسة المستعملة في البناء وبما أن بناء السور كان سيبلغ ثلاثة أميال، وسمك جداره ستة أقدام، وارتفاعه عشرين قدماً فإن كمية الصلصال المطلوبة كانت هائلة. وعين رجل آخر مسئول عن توفر الجص والملاط بكميات كافية، ورابع مسئولاً عن طعام آلاف العمال وخامس عن حل مشكلة توفير مياه الشرب للعاملين.

واستمر العمل الجاد طوال الصيف اللاهب وتم بناء السور في سبتمبر أي خلال أربعة أشهر (عبدالعزيز الرشيد وديكسن يذكران مدة انتهائه بشهرين فربما يقصدان هيكل السور ويقصد الدكتور ملري التشطيبات النهائية للأبراج وغيرها "المؤلف") وامتد السور أكثر من ثلاثة أميال وعزل المدينة تماماً من ناحية البر وقد جرى من طرفيه داخل البحر وإلى مدى أبعد من المياه الضحلة الراكدة لمنع العدو من تسلق السور أثناء الجزر. وكان للسور ثلاث بوابات وبوابة رابعة خاصة بالأمير قرب قصر دسمان (لقد أضيفت بوابة خامسة من جهة الغرب عند المسلخ القديم لا تزال آثارها باقية وتسمى بوابة المقصب).

وكانت البوابات أشبه بالحصون المنيعة وقد زود السور بأبراج لها فتحات تطلق منها النار كل ثلاثمائة ياردة وكانت هناك على طول السور عارضات خشبية يمكن للمسلحين الوقوف عليها وإطلاق النار على العدو من فتحات في الجدار. وهكذا كان السور آخر خط للدفاع وآخر إنجاز في فن الدفاع كما يفهمه العرب وأصبحت الكويت مدينة مسورة.

ولم أتمالك نفسي وأنا أشهد تحفة سالم من استعادة كلمات الشيخ مبارك العظيم عندما سألته لماذا لم يبن سوراً حول الكويت وأجابني.. أنا السور! (الكويت قبل النفط صفحة 84 مخطوطة الدكتور ستانلي ملري ترجمة وتقديم دكتور محمد غانم الرميحي وباسم سرحان).

أما الشيخ عبدالعزيز الرشيد فيذكر أن "في أثر حادثة حمض التي أولجت الخوف في الأفئدة وأطارت النوم من الأعين صمم سالم على إحاطة المدينة بسور منيع ليصد عنها الهجمات ويطفئ به جمرة الخوف التي اتقدت ويخفف من الوساوس التي ساورت الناس إذ ذاك وأزعجتهم ولم يقبل فيما رأى أخذاً ولا رداً من دهشوا من تصميمه وعدوه قضاء على حريتهم التي كانوا بها متمتعين. وقد اشترك الكويتيون عموماً في بنائه وبذلوا همة عظيمة يندر مثلها ويكفي أنه لم يمض عليه إلا شهران حتى كان سوراً كاملاً وهو من الطين الخالص إلا أبراجه فمن الطين واللبن معاً، أحد طرفيه في شاطئ الجون الشرقي والآخر في الشاطئ الغربي و له أربعة أبواب منها باب (نايف) الشامية والبريعصي "الشعب" - وبنيد القار "الصباح" ولم يذكر بوابة الجهراء - وطوله خمسة أميال تقريباً وقد قام الأهالي بنفقته كلها ولم تمدهم الحكومة ولا بدرهم واحد (تاريخ الكويت صفحة 213).

أما الدكتورة الينانور كالفرلي طبيبة النساء في المستشفى الأمريكي فقد أشارت إلى بناء السور وكيف أن رجال الكويت هبوا يداً واحدة في عملية البناء وعن أحاديث النساء عند زيارتهن للمستوصف لم يكن غير موضوع السور وعن فضائح فيصل الدويش وكيف أنه في غزواته السابقة تخطى أعراف حرب الصحراء التي تمنح الحماية للنساء والأطفال، "لقد حدثنني عن كيفية معاملة جيشه للأسرى من النساء والأطفال مما لا يمكن ذكرها لبشاعتها" ثم تستمر الدكتورة في وصف السور حيث نهايته من جهة الغرب تبعد حوالي ثلاثمائة ياردة عن بيتها وكانت تشاهد الرجال المدججين بالسلاح في حركة دائمة عند الساحل بالقرب من المستشفى. وفي اليوم الثامن من أكتوبر تقدم العدو نحو الجهراء. ثم تقول "لقد علمنا أن الشيخ سالم في الجهراء وجعل مركز قيادته في القصر ولم توجد اتصالات تلغرافية أو تلفونية فكانت الأخبار تأتي متأخرة" (My Arabian days and nights, by Eleanor Caverlay M. D. page 119).

وعلى ذكر بناء السور فإني أذكر جيداً تلك التجمعات الهائلة من الرجال ليلاً حيث صادف البناء صيفاً وفي شهر رمضان فكان الليل هو الوقت المناسب في تلك الأيام الصعبة.

وكنت أشاهد تجمعات الرجال بعد صلاة العشاء في (براحة المطوع) من محلة القناعات. فإذا اكتمل العدد سارت تلك الجموع بأهازيجها الحماسية فمن هنا جماعة تحمل معدات البناء على أنواعها وهناك جماعة يرقصون رقصة الحرب (العرضه) على أنغام الأهازيج الشعبية وقرع الطبول. ثم تتلاقى الفرق القادمة من كل صوب ويشتد الحماس، وعند الوصول للموقع يتوزع القوم كل في جهته يمارس المهنة التي أوكلت إليه، فجماعة تخرج الماء من الآبار وأخرى تجمع الطين وتعبئه في السلال (الزبلان) المصنوعة من خوص النخيل. وكنا نحن الأطفال نمشي مع هذه الجموع الغفيرة مرة خلفها ومرة أمامها أو نندس بينها وكانت هذه المناسبة بالنسبة لنا متعة ما بعدها متعة. أما الأكبر منا سناً فكانوا يحملون الفوانيس النفطية وكانت توقد النيران هنا وهناك لزيادة الإضاءة أو لعمل الشاي، ويبقى الحال هكذا حتى قبيل موعد السحور بقليل حيث ترجع الفرق عائدة إلى المدينة ويذهب كل إلى بيته حتى الأمسية القادمة طيلة شهر ليالي رمضان من ذلك العام (1338 هـ) بهذه الصورة الرائعة من التعاون والتآزر بين أبناء الوطن الواحد تم بناء السور. لقد مضت ستون عاماً على تلك الأحداث الفريدة ولكن لا تزال آثارها عالقة بالذاكرة فكأنها حدثت في الأمس القريب.



معركة الجهراء

حدثني السيد عبدالعزيز عبدالمحسن الراشد -رجل الأعمال الكويتي المعروف- وقد شارك في تلك المعركة التي أصيب فيها بعدة جروح في جسمه. يقول "لقد كنا في القصر الأحمر مع الشيخ سالم وكنا نسمع باقتراب جيش فيصل الدويش وفي صباح ذلك اليوم -يقصد العاشر من أكتوبر- أرسل الشيخ سالم مبارك بن هيف الحجرف ليسبر حركة فيصل الدويش وإذا به بعد قليل يعود إلينا فوق صهوة جواده ملوحاً بيده مشيراً بأن الدويش يزحف بقواته على مقربة من مشارف الجهراء ولم يمض وقت طويل حتى بانت رايات الجيش الغازي وكانت ثلاث بيارق بالألوان الأبيض والأحمر والأخضر الذي هو علم ابن سعود ثم ما هي إلا لحظات حتى اشتبك الفريقان واشتد القتال و(الإخوان) لا يبالون بالموت فكلما سقط صف تقدمته صفوف وسقط منا قتلى ولكن قتلاهم أكثر ثم بدت قواتهم تتسرب في عدة جهات مما اضطر القوات الكويتية إلى التقهقر نحو القصر الأحمر، ويضيف السيد عبدالعزيز الراشد أنه وصل إلى القصر الأحمر في آخر لحظه وكان باب القصر على وشك أن يغلق ثم يقول إن المعركة انتهت في حوالي الساعة التاسعة صباحاً.

وقد أخبرني الشيخ علي الخليفة الصباح وهو أحد القادة الذين اشتركوا في المعركة حيث التقيت به في لبنان قبل وفاته عام 1942. قال لي إنه كان هناك اختلاف في القيادة وعلى توزيع القوات المدافعة مما أضعف من وضع القوات الكويتية وسهل في سرعة تقدم الإخوان. ومثل هذه الخلافات غير مستغربة في مثل هذه الحروب الصحراوية غير النظامية والأمثلة على ذلك كثيرة جمعناها من رواة تلك الحروب أما الشيخ عبدالعزيز الرشيد فبعد وصفه لمقدمات المعركة وهو شاهد عيان يذكر أيضاً كيف التجأ إلى القصر (تاريخ الكويت - صفحة218 - منشورات دار مكتبة الحياة بيروت 1961) قبل أن تغلق الأبواب وكيف وجده مكتظاً بالرجال والنساء و الأطفال وعلى وجوههم إمارات الخوف والفزع. وكذلك يصف وضع الجرحى كما أدهشه ما شاهده في الشيخ سالم من الثبات ورباطة الجأش ثم يذكر عن قرار الشيخ سالم فيما بعد بإرسال مرشد الشمري ومرزوق بن متعب بن عبد الكريم طلباً للنجدة من الكويت وكيف فاجأت تلك المبادرة الجريئة الأعداء وقضت على آمالهم في استمرار الحصار على القصر. ومما زاد في بلبلة الوضع عند الإخوان نفاذ الذخيرة عند الكثير منهم. ويضيف ابن الرشيد أن فيصل الدويش أرسل أحد أعوانه المدعو مطلق بن سعود ليفاوض الشيخ سالم بالصلح وقد علم الكويتيون من الرسول عن خسائر (الإخوان) الفادحة في الأرواح ونفاذ الذخيرة. عاد الرسول إلى قومه وأخبرهم برغبة الشيخ سالم بالصلح وقد أرسل فيصل الدويش رسولاً آخر يدعى منديل بن غنيمان وهو أحد أقاربه فقال للشيخ سالم ان الدويش يريد مصالحتكم وهو يدعوكم إلى الإسلام وترك المنكرات والدخان وتكفير الأتراك (المعروف أن الأتراك تمت هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى 1914- 1918 "المؤلف") فإن أذعنتم لما أراد أسلمكم على القصر ومن فيه فأجابه الشيخ سالم "أما الإسلام فنحن مسلمون ولم نكفر به والإسلام مبني على خمس أركان ونحن نحافظ عليها ونزيل من المنكرات ما وسعنا إزالته وأما تكفير الأتراك فلم يثبت عندنا ما يوجب التكفير".

وقد جرى ذكر فقيه (الإخوان) ابن سليمان فقال الشيخ سالم أريده أن يأتي إلى هنا ليحاور (فلان) يقصد عبدالعزيز الرشيد. ويضيف ابن الرشيد غادرنا ابن غنيمان وما بت في شيء مما جرى ولم يظهر أيضاً شدة من رفض سالم لما طلب وبعد هنيهة من ذهابه سمعنا رمياً متواصلاً قرب شاطئ البحر فقلت: قتال بين (الإخوان) وبين إخواننا من أهل السفن وبذلك ترجح لدي أن (الإخوان) خدعونا بما حصل فلما أعلمت سالماً بما رأيت ورجوته فتح الأبواب لنصرة إخواننا المقاتلين ولكنه قال لي انهم سيدافعون عن أنفسهم بأنفسهم".

ثم يضيف "غربت شمس ذلك اليوم ولم يجيء إلينا أحد فأخذنا بالاستعداد للهجوم وبعد أن مضى هزيم من الليل هجم (الإخوان) وهم رافعون الأصوات بقولهم (إبراهيم يا عمود الدين، محمد رسول الله، هبت هبوب الجنة وين أنت يا باغيها".

هجموا وهم متأبطو المعاول وحاملو الفؤوس ولكنهم ما كادوا يتقدمون خطوات قليلة حتى أصيبوا بما لم يكن في حساب أصيبوا بسوقهم وبأرجلهم من فوهات صغيرة في أسفل القصر ورجعوا خائبين خاسرين وقد أثخن فيهم القتل والتجريح" ثم يقول:

أبو فالح
07-03-2008, 06:35 AM
هجموا وهم متأبطو المعاول وحاملو الفؤوس ولكنهم ما كادوا يتقدمون خطوات قليلة حتى أصيبوا بما لم يكن في حساب أصيبوا بسوقهم وبأرجلهم من فوهات صغيرة في أسفل القصر ورجعوا خائبين خاسرين وقد أثخن فيهم القتل والتجريح" ثم يقول:

"انبلج الصباح في اليوم الثاني وكانت مصيبتنا من العطش أعظم من كل مصيبة - مصيبة بلغ بنا اليأس أشده ونفذ منا ماء الجلد والصبر ولكن مركباً بخارياً خلفه سفن شراعية أبصرناه، إذ ذاك خفف علينا شيئاً من تلك الوطأة الثقيلة وكذلك ما تخيلناه من إقبال النجدات البرية وفيما نحن كذلك وقد رششنا بماء الأمل والحياة وإذا بعالم الإخوان عثمان ابن سليمان- قد أقبل لتكميل حديث الصلح فانفرد به سالم بأحد أبراج القصر وفي معيته الشيخ على الخليفة وكاتب هذه السطور فكان في حديثه لنا أن قال أن (الإخوان) هموا بالهجوم عليكم البارحة ولكن قلت إن فعلتم قبل أن تيأسوا من قبولهم الصلح فقاتلكم ومقتولكم في النار ومقتولهم في الجنة".

"صارحنا (هذا العالم التقي) بما سمعت ولم يستح من الخداع، وقد كان معه كتاب من الدويش يتضمن جل المواد التي اشترطها ابن غنيمان آنفاً وهو غير مختوم (ربما المقصود هنا بالختم التوقيع) فسلمه إلى الشيخ وطلب منه الجواب على أن يكون مختوماً ولكن سالماً أجابه عن مواده شفهياً بمثل ما أجاب ابن غنيمان وقال إني سآمر فلاناً (كاتب هذه السطور) بالجواب من غير ختم لأن كتاب الدويش كذلك ثم يضيف (ذهب ابن سليمان ليخبر الدويش بما تم وما هي إلا بضع دقائق حتى أقبل علينا فزعم أن الدويش رضي وأنه سيرحل بعد الظهر من ذلك اليوم وانتهز الإخوان فرصة الهدنة فهجموا على سفينة على شاطئ البحر مملوءة بالأطعمة فأخذوها ولما احتج سالم على ابن سليمان قال إن نهبها كان قبل تمام الصلح وأن كان بعده فدعوها طعمة (للإخوان) فهم أحوج منكم بها".

وعلى ذكر النجدة البحرية التي أشار إليها المؤرخ في حديثه فقد روى لي السيد سعود يوسف المطوع القناعي قال "كنت بحاراً عند حسين بن علي بن رومي وفي معيته عندما أقلعت بعض السفن الشراعية من الكويت قاصدة مياه الجهراء لمساعدة الجماعة المحاصرين في القمر الأحمر وكان يتقدم تلك السفن يخت الأمير البخاري المسمى (مشرف) وعندما اقتربنا من ساحل الجهراء أطلق (مشرف) طلقة مدفع مدوية هزت المنطقة بدويها الهائل (كان في اليخت مشرف مدفع واحد يستعمل في المناسبات الرسمية) وكان لهذه الطلقة تأثيره على الأعداء وعلى المواطنين المحاصرين حيث رفعت من معنوياتهم. ثم يقول وعندما اقتربنا من الساحل نزلت أنا وبعض البحارة في قارب صغير ثم ترجلنا منه وعند وصولنا للمياه الضحلة وكان كل منا حاملاً بندقيته بيده وإذا بنا نلاحظ من بعيد اثنين من الخيالة فخلناهم من الأعداء ولما شاهدونا اعرضوا خيولهم أي أوقفوها بالعرض دلالة على أنهم من الأصدقاء ثم ترجلا فكان الأول هو الشيخ إبراهيم الفاضل الصباح وكان الثاني المدعو محمد بن غصاب فأخبرونا بأن قوات (الإخوان) فكت الحصار عن القصر وانسحبوا من موقع القتال".

أما الدكتور ستانلي ملري فيقول "هكذا منذ شهر مايو أي منذ معركة حمض والتوتر يسود الكويت ويقول إن أشهر الحر اللاهب لا تصلح للحرب بسبب الحاجة إلى المياه وكما هو معروف فإن الحرب في تلك الأيام تشن على ظهور الخيل والجمال وكانت البندقية والرمح والسيف هي أمضى الأسلحة وأشدها فتكاً. وكان التوتر يسود الكويت فمنذ الثامن من أكتوبر 1925 بدأ فيصل الدويش يحشد قواته على مقربة من الجهراء وكان الشيخ سالم مع جيشه هناك"، ثم يواصل الدكتور وصفه للأحداث في تلك الأيام فيقول "بينما كنت أتناول الشاي مع زوجتي في شرفة منزلنا في الصباح الباكر سمعنا صوت الرصاص من الجهراء، وامتلأ الجو بالشائعات المتناقضة وأصاب الجميع حالة من الهياج وهرعوا إلى بوابات السور لأخذ أماكنهم ومساندة المدافعين عنه وكانوا مسلحين ببنادق من طراز (موزر) و(مارتين) وكانت الذخيرة متوفرة بكثرة وكان يحمل البعض السيوف والمسدسات وقد زارنا بعد الظهر المعتمد البريطاني الميجر (مور) وقال بأنه سمع بأن الشيخ سالم محاصر في قلعة الجهراء وأنه معرض للخطر الشديد وبعد حديث قصير أخذني بسيارته إلى بوابة السور الرئيسية وكان الشيخ أحمد ولي العهد هناك وأكد لنا أن كل شيء على ما يرام وأنه لا داعي للقلق ولكن المشهد الذي شاهدناه لا يدل على التفاؤل فقد كان اللاجئون من منطقة الجهراء يتدفقون على البوابة، عائلات بكاملها مع أمتعتها المنزلية وجمالها وحميرها وكلابها. وكانت بعض الجمال تأبى الدخول من البوابة لعدم تعودها على ذلك وكان الشيخ أحمد يستجوب القادمين ولكني لم أفهم منهم شيئاً لأنهم كانوا يتكلمون دفعة واحدة ويقاطعونه باستمرار بتدخلهم في الحديث وفي هذا الأثناء وصل خيالة الشيخ سالم ومعهم بعض الجرحى، وفي المساء تبين لنا أن الشيخ سالم مع معظم قواته محاصرون داخل القلعة ولديه مؤن كثيرة إنما الماء شحيح ومالح وبدا الوضع ميئوساً منه". ويواصل الدكتور حديثه عن ذلك اليوم الأسود فيقول "وبينما كنت أنا وزوجتي نتناول طعام العشاء بعد غروب الشمس سمعنا صراخاً وعويلاً من الجانب الشرقي من المدينة وكانت الإشاعات بأن الإخوان دخلوا المدينة فاتصلت بالمعتمد السياسي بالهاتف (لم يكن الهاتف منتشراً في ذلك الوقت في الكويت وقد كان هذا هاتفاً خاصاً بين دار الاعتماد والبعثة الأمريكية الطبية. وسبب الصراخ والعويل المشار إليه هنا هو ما سبق ذكره في مقدمة الكتاب). فأخبرني أن بعض الفارين من المعركة وصل إلى إحدى البوابات وظنهم الحرس من الإخوان وتبادلوا معهم إطلاق النار ثم انكشفت الحقيقة".

أما الكولونيل ديكسن فيقول عن المعركة أن الدويش انسحب من الجهراء باتجاه الصبيحية يوم الثاني عشر من أكتوبر وأن عدد القتلى من الإخوان تجاوز الثمانمائة قتيل والجرحى كثيرون وقد مات منهم حوالي أربعمائة في الطريق إلى الصبيحية. وأن الإصابات من الكويتيين حوالي المائتين بموجب المعلومات التي تلقاها من المعتمد البريطاني ويقول أن المعركة تعتبر نصراً كبيراً للكويتيين -في نظر العرب- في الصراع الطويل الذي نشب بين ابن السعود والشيخ سالم.

أما الدكتور ملري فيحدد عدد القتلى من (الاخوان) بحوالي ثمانمائة وعدد الجرحى يقابل هذا العدد وهو نفس ما ذكره المعتمد إلى ديكسن ويضيف الدكتور بأن سبب ارتفاع نسبة القتلى عند الإخوان هو استهتارهم بالحياة واعتقادهم حسب ما يوحي إليهم علماؤهم بأن مصيرهم الجنة فالأولى بهم أن يستعجلوها وأما عدد القتلى من الكويتيين فكان ثلاثة وستين رجلاً أما الجرحى فيقول ملري إن عددهم بلغ المائة والعشرين مات منهم أربعة والباقون تماثلوا للشفاء. ويذكر بأن أهل الكويت تبرعوا لمساعدة الجرحى بستة آلاف روبية وكمية كبيرة من الرز والبطانيات وكمية من الفحم تكفي مطبخ المستشفى لعدة أسابيع ويقول بأن هذا التبرع السخي كان مفاجأة له.

وفي الرابع عشر من أكتوبر بعث فيصل الدويش برسالة إلى الشيخ سالم يطلب منه فيها إرسال هلال المطيري الثري والتاجر الكويتي المعروف للتفاهم معه حول حل النزاع ولكن الشيخ سالم رفض هذا الطلب وقال إن على الدويش أن يرسل أشخاصاً من عنده ونتيجة لذلك أرسل فيصل الدويش (جفران الفقم) أحد زعماء مطير حيث وصل إلى الكويت يوم الثامن عشر من الشهر ومنذ البداية تبين أن مطالبهم غير مقبولة ومنها أنه على جميع أهل الكويت أن يعتنقوا مذهب (الإخوان) ولكن الشيخ سالم أجل مقابلة الوفد مدة أسبوع وطلب مساعدة الحكومة البريطانية وتمت مقابلة الوفد يوم 24 أكتوبر وحضر جانب من المقابلة (الميجر مور) المعتمد البريطاني وسلم للوفد نسخة من إنذار الحكومة البريطانية والذي ألقي من الطائرة على قوات فيصل الدويش (ديكسن-الكويت وجيرانها) ويقول الدكتور ملري في هذا المجال أنه بعد وصول (جفران الفقم) مرسلاً من قبل الدويش وتوجيهه إنذاراً للشيخ سالم، اجتمع الشيخ سالم بوجهاء البلد وكان اجتماعاً طويلاً وعاصفاً طلب الوجهاء على أثره من الشيخ سالم تقديم طلب رسمي للحكومة البريطانية للمساعدة وقد وافق الشيخ سالم مرغماً حيث كان الشعور عند الكويتيين هو أن الكويت غير قادرة على صد الإخوان مرة ثانية. وقد وصلت في ذلك الوقت سفينة بريطانية حربية ووصلت سفينة أخرى حربية يوم 21 أكتوبر، كما وصلت طائرة في ذلك اليوم ولنترك الحديث للدكتور ملري إذ يقول "كنت أشرب الشاي مع المعتمد السياسي البريطاني حين دخل علينا قائد الطائرة وذكر أنه لم ير شيئاً من آثار (الإخوان) وكان واضحاً لي أن العدو لن يكون إلا في مكان واحد وهو الصبيحية وهي توفر المياه والمرعى الجيد للجمال كما يمكن هناك العناية بالجرحى لمدة طويلة. وسألت الطيار عما شاهده في الصبيحية فقال بيوتاً وأشجاراً ونخيلاً فقلت له ليس في الصبيحية سوى آبار موحلة ونصحته ضاحكاً بأن يأخذني معه في جولته القادمة. وقد دهشت عندما طلب مني مرافقته في صباح اليوم التالي. ووجدنا الصبيحية بسهولة حيث مخيم الإخوان وألقيت من الطائرة رسالة رسمية موجهة إلى قائد قوات الإخوان فيصل الدويش وقد ربطت الرسالة بأشرطة طويلة حمراء وبيضاء وزرقاء وقد تضمنت الرسالة تهديداً لفيصل بالانسحاب. وكان لدينا في الطائرة بضع قنابل وسأذكر دائماً وسأذكر دائماً كيف كتب لي الطيار ورقة عندما شاهد معسكر العدو جاء فيها -يا إلهي ما هذا الهدف البسيط- وكان الطيار في مقعده الخاص حيث لا يمكن تبادل الحديث معه. وتفحصنا الخيام من علو 1000 و 1500 قدم وسررت عندما شاهدت رجلاً يلتقط الرسالة الحكومية التي ألقيتها وأخذ الإخوان يطلقون الرصاص علينا من بنادقهم مما اضطرنا إلى الارتفاع في الجو ("نص الرسالة كما جاءت في كتاب تاريخ الكويت للشيخ عبدالعزيز الرشيد ويرى القارئ ضعف الترجمة بسبب قلة المترجمين الأكفاء في ذلك الوقت" - إلى الشيخ فيصل الدويش وجميع (الإخوان) الذين معه. ليكن معلوما لديكم بأنه طالما أن أفعالكم ضيقت على البادية وحتى على الجهرة أيضاً وبما أن الحكومة البريطانية لم تدع لتعمل أكثر مما هي عادتها أن تسعى بحسب الصداقة وراء الإصلاح، فأما الآن ما دام أنتم تهددون ليس فقط ضد حقوق سعادة شيخ الكويت التي تخالف تأميننا له بل ضد مصالح بريطانيا وسلامة الرعايا البريطانيين ولا يمكن بعد للحكومة البريطانية أن تقف على جانب بدون دخولها في المسألة. ثم من التأمينات التي نطق بها من مدة قصيرة سعادة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل السعود - كي. سي. أي. أي. إلى فخامة السير برسي كوكس المندوب السامي في العراق. تثق الحكومة البريطانية أن فعالكم هي بعكس إرادة وأوامر الأمير المشار إليه ولا شك أن سعادته ينبهكم بذلك عندما يعلم بأفعالكم. فبناء عليه - بهذا ننبهكم بأنه إذا تجربون أن تهجموا على مدينة الكويت فحينئذ ستحسبون مجرمين بالحرب ليس عند سعادة شيخ الكويت بل عند الحكومة البريطانية أيضاً. فالحكومة البريطانية لم تعتبر ذلك بل ستقابل هذا بأفعال عدائية بواسطة القوة التي تفتكر لائقة. هذا ما لزم إعلامه لكم. تاريخ 7 صفر 1339.

ميجر جي. سي. مور - الوكيل السياسي لدولة بريطانيا في الكويت).

ويضيف الدكتور ملري:-

أبو فالح
07-03-2008, 06:36 AM
ويضيف الدكتور ملري:-

"وصلت في يوم 22 أكتوبر سفينة حربية ثالثة وعليها السير أرنولد ولسن وكان يشغل منصب المندوب السامي بالوكالة في العراق وقام فوراً بعقد مجلس حرب على ظهر السفينة وقد حضر الاجتماع الضابط المسئول عن شعبة الخليج وقادة السفن الحربية الموجودة في الميناء والمعتمد السياسي في الكويت وقائد الطائرة وأنا وتم وضع خطط تفصيلية غطت كل الاحتمالات بما فيها احتمال إجلاء الرعايا البريطانيين والأمريكيين عن المدينة كما تم وضع خطط هجومية وأخرى دفاعية شملت المعدات والحاجات التي كان يجب إحضارها من البصرة وقد عاد السير أرنولد ويلسون إلى العراق بطريق الجو يوم 23 أكتوبر. وكان كل شيء جاهزاً يوم 24 أكتوبر. وغادر مبعوثو الإخوان الكويت بنفس اليوم وهدأت المدينة. وقد انتقلت مسئولية الموقف إلى البريطانيين وشعرت المدينة بالاطمئنان وحضر السير ويلسون ثانية يوم 24 أكتوبر وكان السور مليئاً بالمسلحين ونزلت وحدات بحرية من السفن الحربية البريطانية إلى الشاطئ ومعها مدافع رشاشة وأنيط بها حماية البوابات وتم يوم 25 أكتوبر وضع رجال الإشارة البحرية فوق منزل طبيب الإرسالية، وكان عليهم تأمين الحراسة ليلاً ونهاراً".

وكان سطح منزل الطبيب يطل على الميناء وعلى معظم السفن الحربية. ويواصل الدكتور ملري ذكر التفاصيل فيقول:-

"وفي يوم 27 أكتوبر وصل قائد السرب (برنت) من العراق مع طائرتين وطلب مني أن أرافقه في رحلة استطلاعية. وكان فيصل الدويش قد أرسل رسالة نارية تبجح فيها رداً على رسالة الحكومة البريطانية التي ألقيتها فوق معسكره في الصبيحية".

"حلقنا فوق موقع الصبيحية لنجد المكان مهجوراً باستثناء خيمتين أو ثلاث ربما تركت لإيواء الجرحى الذين لم يتمكنوا من الانتقال وربما كان فيصل الدويش يفك معسكره ليفر باتجاه الجنوب في نفس الوقت الذي أملى فيه رسالته تلك وحلقنا مسافة سبعين ميلاً بعد الصبيحية فلم نجد أي أثر (للإخوان) إذ يبدوا أنهم رحلوا بسرعة كبيرة. وسرت إشاعات يوم 30 أكتوبر بأن (الإخوان) في الوفرة و لكن الاستطلاع الجوي لم يرهم ولم يهاجموا الكويت ثانية في تلك الفترة وغادرت آخر سفينة حربية ميناء الكويت يوم 6 نوفمبر وهكذا نجت الكويت مؤقتاً من الطموحات التوسعية لابن سعود وليست هذه القصة سوى جزء عام ويسير مما حصل في الكويت خلال شهر بالغ الحرج ولكنها تعطينا مثلاً على قيمة الإرسالية الأمريكية في الكويت وكل العاملين فيها وكان ذلك الشهر بالنسبة للإرسالية الأمريكية بداية عهد جديد".

هذا الوصف الدقيق، والمفصل للدكتور ملري عن حوادث ذلك الشهر المليء بالأحداث الجسام، والاهتمام الكبير الذي أظهرته السلطات البريطانية تثير الكثير من التساؤلات، ومنها لماذا تركت بريطانيا الأمور تصل إلى تلك الدرجة من الخطورة وهي العالمة ببواطن الأمور. ونحن نعرف من سير الأحداث أن العلاقات بين الشيخ سالم والإنجليز لم تكن على ما يرام منذ أن فرضوا على الكويت الحصار البحري. كما أن العلاقات بين سالم وابن السعود لم تكن بحال أحسن. فهل كان القصد من كل ما حدث إعطاء (دروس) جديدة للشيخ سالم وأهل الكويت. يقول عبدالعزيز الرشيد أن ابن سليمان الفقيه الديني الذي كان بمعية فيصل الدويش كان باستطاعته وقف الحرب بإيماءة من طرف عباءته حيث حينما قال لبعض (الإخوان) الذين استمروا بالسلب والنهب بعد هدنة القتال (أيها الإخوان إن أموال أهل الكويت عليكم حرام) وما كاد بعضهم يسمع هذا الكلام حتى ترك البعير الذي اقتاده وولى هارباً. فإذا كانت الحرب تتوقف بمجرد كلمة من أمثال ابن سليمان فما الداعي لكل ما حدث.

أما الكولونيل ديكسن فيتوافق مع الدكتور ملري في معلوماته عن مجريات الأحداث فيقول أن في اليوم الثامن عشر من أكتوبر وصل إلى الكويت وفد فيصل الدويش برئاسة جفران الفقم أحد زعماء مطير.

ومنذ البداية كان واضحاً أن الشروط التي كان يحملها الوفد غير مقبولة ومنها وجوب اعتناق الكويتيين لعقيدة الإخوان ولم يقابل الشيخ سالم الوفد إلا يوم 24 أكتوبر وقد حضر الميجر مور بعض هذا الاجتماع وسلم الوفد نسخة من الإنذار الذي أسقط من الطائرة على قوات فيصل الدويش. كما أخبر الميجر مور الوفد بمضمون الإنذار شفهياً وكان رد جفران الفقم للمعتمد البريطاني بأن ما قام به الإخوان ضد الشيخ سالم كان بموجب أوامر ابن سعود المباشرة وقد رد المعتمد بأنه لا يصدق هذا الادعاء وأن ابن السعود هو صديق للبريطانيين وقد أكد لهم مؤخراً بأنه لن يتحرش بالكويت وأن ابن سعود رجل شريف ويحافظ على كلمته. وقد كرر الميجر مور تحذيراته ثم انصرف من الاجتماع. كما أن الشيخ سالم رفض أن يزود الوفد بالمؤن من الكويت. وقد أكد هذه الحادثة أمين الريحاني في كتابه - تاريخ نجد - عند اجتماع وفد فيصل الدويش بالشيخ سالم والمعتمد البريطاني وهو ينقل قول المعتمد إلى رئيس الوفد "إن الشيخ سالم صديق لدولة بريطانيا البهية وأنتم جئتم تحاربونه بدون أمر من ابن السعود" فقال رئيس الوفد "ما جئنا إلا بأمره، وهو صديقكم أيضاً. ثم يضيف أمين الريحاني بأن المعتمد البريطاني سلم نسخة من الإنذار إلى رئيس الوفد الذي سلمها بدوره إلى فيصل الدويش الذي اضطر إلى شد الرحال وتوجيه كتاباً فيه لوم للشيخ سالم وقد ذكر الريحاني نص الكتاب وهو كالآتي:

"من فيصل بن سلطان الدويش إلى سالم الصباح سلمنا الله وإياه من الكذب و البهتان وأجار المسلمين يوم الفزع الأكبر من الخزي والخذلان. أما بعد فمن يوم أن جاءنا ابن سليمان -يقصد فقيه الحملة الذي سبقت الإشارة إليه- يقول أنك عاهدته على الإسلام والمتابعة لا مجرد الدعوى والانتساب. كففنا عن قصرك بعد ما خرب وأمرنا برد جيش ابن سعود على أمل أن ندرك منك المقصود فلما علمنا أنك خدعتنا آمنا بالله وتوكلنا عليه. يروى عن عمر أنه قال "من خدعنا بالله انخدعنا له: فنحن بيض وجوهنا، نرجو الله أن يهديك وألا يسلطنا عليك. إياه نعبد وإياه نستعين" (تاريخ نجد - أمين الريحاني - صفحة 247-248).

وفي الثلاثين من أكتوبر تبلغ الشيخ سالم بأن المندوب السامي السير برسي كوكس يرى أنه من الأمور المستعجلة وقف المزيد من سفك الدماء حتى يتم التفاهم بصورة ودية على الأمور المختلف عليها بين الشيخ سالم وابن السعود، وعلى هذا الأساس يجب عدم احتلال آبار الصبيحية من قبل كلا الطرفين وأن أية مخالفة لهذه التعليمات من قبل أي طرف سيقاوم من قبل السلاح الجوي البريطاني وقد تبلغ ابن السعود بمضمون هذه الرسالة عن طريق البحرين.

أبو فالح
07-03-2008, 06:38 AM
عرض للوساطة

ويواصل ديكسن الحديث فيقول انه في شهر يناير (كانون الثاني) في عام 1921 عرض خزعل خان شيخ المحمرة بأن يرسل ابنه الأكبر كاسب مع ابن أخ الشيخ سالم، الشيخ أحمد للذهاب إلى نجد للمصالحة. وقد حصل هذا العرض على الموافقة وقد سافر الوفد إلى نجد عن طريق البحرين. وكان ابن السعود مخيماً في الخفس شمال الرياض وقد وصل الوفد في الثاني من مارس وبعد يومين وصلت الأخبار بوفاة الشيخ سالم الذي وافته المنية يوم 27 فبراير (شباط) وقد أخبر ابن سعود الوفد بأن الخلاف قد انتهى ولا حاجة لإقامة حدود بين بلده والكويت. ويقول عبدالعزيز الرشيد عن الوفد أن الشيخ خزعل خان ذهب إلى البصرة ليسبر غور الحكومة البريطانية حول موضوع الصلح ولما لم يجد معارضة استعد بالهدايا والتحف لسلطان نجد ثم أم الكويت للبحث مع سالم عمن يترأس الوفد وبعد مداولات بين الاثنين تقرر أن يرأس الوفد الشيخ أحمد الجابر وكان ولياً للعهد وفي معيته الأعضاء كاسب بن الشيخ خزعل وعبداللطيف باشا المنديل وعبدالعزيز السالم البدر (عبداللطيف باشا المنديل تاجر عراقي معروف من أصل نجدي وكان وكيلاً تجارياً لابن سعود في البصرة. وقد اشترك في كثير من المؤتمرات التي عقدت بين ابن سعود وجيرانه أما عبدالعزيز السالم البدر فهو معتمد حاكم الكويت في البصرة منذ أيام الشيخ مبارك. وقد سجنه الأتراك واتهموه بالخيانة نكاية بالشيخ مبارك وإغاظة له وقد أشار إلى هذه الحادثة المحامي سليمان فيضي في مذكراته عن تلك الأيام من العهد العثماني. والموضوع لا يخلو من الطرافة والمعلومات المفيدة. يقول "أما الجرائد الأجنبية والمصرية فقد حرم دخولها العراق وسوريا سواء كانت معارضة أو مؤيدة وقد كان عقاب من يطالعها أو يقتنيها السجن أو النفي. وقد حدث مرة للشيخ مبارك وكان مشتركاً في جريدة (الخلافة) التي يصدرها في لندن بعض أحرار الترك أن كلف معتمده في البصرة عبدالعزيز السالم البدر بتحويل بدل الاشتراك إلى إدارة الجريدة المذكورة بواسطة البريد وتسجيله في دفتر حسابات الشيخ، وبناء على وشاية جاسوس تحرت الحكومة دار السيد عبدالعزيز وعثرت على المخابرات بشأن الاشتراك المذكور فأوقفته ثم حكمت عليه بالنفي إلى ديار بكر عشر سنوات. فبذل أصدقاؤه بعض الجهود لإبدال المنفى المذكور بغيره واستغرقت المخابرات بين الولاية والصدارة أربع سنوات قضاها المسكين في الموقف. ثم حدث أن وصلت فلول الجيش العثماني الفارة من نجد إلى الكويت. فأبدى أمير الكويت تماهلاً في تجهيزها بالمؤونة، فكان لا بد للحكومة العثمانية من إقناع الأمير بالعدول عن موقفه هذا. حينئذ نسب والي البصرة مخلص باشا أن يطلق سراح عبدالعزيز السالم لكي يذهب إلى الكويت للتأثير على الأمير فسافر إليها وهيأ أسباب سفر الجنود إلى البصرة ولكنه لم يعد خوفاً من نفيه ثانية بل بقي في الكويت حتى إعلان الدستور العثماني "صفحة 50 من كتاب في غمرة النضال" كذلك أشار إلى هذه الحادثة عبدالعزيز الرشيد في تاريخ الكويت. أما المؤرخ البريطاني (الوريمر) الذي عاصر تلك الفترة فيلقي ضوءاً آخر عن هذه الحادثة نرى من الفائدة ذكره وذلك بمناسبة زيارة اللورد كرزن لمنطقة الخليج بصفته نائباً للملك وحاكماً عاماً للهند حيث زار الكويت لمدة يومين (28 و 29 من نوفمبر) من عام 1903 وقد أقام له الشيخ مبارك استقبالاً فخماً عندما نزل من السفينة في ميناء الشويخ وقد أعدت له عربة خاصة أحاط بها الفرسان من كل جانب وكان الاستقبال في غاية الأبهة والروعة. وجرت أحاديث رسمية مع الشيخ مبارك تناولت عدة أمور ومنها موضوع عبدالعزيز حيث طلب الشيخ مبارك تدخل الحكومة البريطانية للإفراج عنه فوعد اللورد كرزن الشيخ مبارك بأن السفير البريطاني يسعى لتخفيف الحكم. وفي مكان آخر يشير لوريمر في كتابه دليل الخليج عن عودة فلول القوات التركية من القصيم عام 1906 وهم في حالة تعسة فلم يسمح له الشيخ مبارك بدخول الكويت وكان عدد آخر ممن وصل منهم في شهر ديسمبر يبلغ ثمانمائة ويقول لوريمر وبهدف جمع وإعادة هذا الحشد المشرد أصدرت السلطات التركية أمرها بإطلاق سراح عبدالعزيز وكيل شيخ الكويت في العراق التركي - كذا، وهنا تتفق رواية لوريمر مع رواية سليمان فيضي) ثم يقول سار الوفد إلى البحرين ومنها إلى العقير والإحساء وبعد استراحة بضعة أيام توجه الوفد إلى نجد وهناك تمت المقابلة مع ابن السعود وتناولوا المسائل اللازمة لحسم النزاع وطلب السلطان من الأمير الكفالة على عمه في قبول ما يتم عليه الصلح من الشروط بلا استثناء فأعطاه الأمير ما طلب وقدم نفسه عليه كفيلاً ثم حرر ما جرى من الشروط التي أهمها تحديد الحدود بين الكويت ونجد وطي بساط الماضي بما فيه. وفي تلك الآونة وقد أزمع الوفد على الرحيل نعي إليه وفاة الشيخ سالم فقال ابن السعود للشيخ أحمد أما الآن فحيث صار الأمر إليك فلا أرى من حاجة إلى شروط أو تحفظات فأنا لك سيف مسلول اضرب به من شئت وأنت أولى بالقبائل التي تحت أمري ولك أن تؤدب من تشاء إذا ما بدر منها اعتداء على أحد رعاياك أما حدود الكويت فإنها ستمتد إلى أسوار الرياض ولا أقبل أن تكون هي ما قطعناه به آنفاً ولك على هذا عهد الله وميثاقه ثم أخذ الورقة ومزقها ونادى المنادي بين الإخوان أن سوق الكويت ونجد والإحساء واحد ولا معارض لمن أراد السفر إلى الكويت وحذرهم من الاعتداء على من ينتسب لآل الصباح. ثم رجع الوفد بتلك البشارة وتفاءل الناس خيراً بحاكمهم الجديد.

واستمرت العلاقات الحسنة بين العاهلين حتى أن ابن السعود طلب مساعدة الشيخ أحمد في أثناء الحصار الذي ضربه على مدينة حائل حيث استمر الحصار بضعة أشهر فقدم الشيخ أحمد في محرم 1345 ستين ألف ريال وألف كيس من الأرز (نفس المصدر - صفحة 232،233،239).

هذه الفترة من الوفاق والتفاهم لم تدم طويلاً مع كل أسف فقد أشعر ابن السعود في شهر رجب من ذلك العام الشيخ أحمد بأنه مضطر لمنع رعاياه من المسابلة مع الكويت وصرفهم إلى مسابلة بلاده مثل القطيف والإحساء والجبيل وأنه لن يتنازل عما عزم عليه إلا بإقامة موظف من قبله في الكويت لجباية الرسومات من رعاياه عند مغادرتهم الكويت ولكن الأمير رفض الطلب وبقيت الحالة متوقفة إلى أن جرى بحثها في حيث أثار الموضوع معتمد بريطانيا في الكويت فأرسل السلطان عبدالعزيز السيد حمزة غوث مندوباً عنه في رمضان 1341 الذي طلب على لسان ابن سعود أحد ثلاثة أمور إما إقامة الموظف المذكور لجباية الرسوم أو أن يعين موظفاً من قبل حكومة الكويت ليتقاضى الرسوم لترسل بدورها إلى ابن السعود أو أن تسلم حكومة الكويت تعويضا مالياً مقابل الرسوم المشار إليها. وقد اجتمع الشيخ أحمد بالكويتيين الذين يعنيهم الأمر من وجهاء البلد فرفضوا قبول تلك المطالب التي قدمها المندوب واعتبروها مخلة بشرف الكويت وحكامها واستقلالها (أشارت تقارير المعتمد البريطاني في الكويت إلى حكومته بأن هناك مؤيدين ومعارضين للمشروع وكان على رأس المعارضين شملان بن على وحمد الصقر - التطور السياسي والاقتصادي للكويت بين الحربين 1914-1939 تأليف الدكتورة نجاة عبد القادر الجاسم) وأخيراً رأى سمو الأمير أن يرسل ولي العهد الشيخ عبدالله السالم للمداولة بالأمر بصورة مباشرة مع السلطان، وقد حمل معه من الهدايا عشراً من الخيل وألف وخمسمائة كيس من الأرز ومئتي كيس من السكر وكثيراً من أكياس القهوة فسار الشيخ عبدالله في شوال 1341 وفي رفقته السيد حمزة غوث وقد قابله عظمة السلطان هناك بإكرام وحفاوة عظيمين ويضيف ابن الرشيد ومع كل هذا ظلت القضية بدون حل.



مؤتمر العقير

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن معاهدة العقير كانت امتداداً وتعديلا لمعاهدة المحمرة المعقودة بين السلطات العراقية وابن السعود والتي رفضها ابن السعود لأنها اعتبرت قبيلتي عنزة والظفير من قبائل العراق بينما ابن السعود ادعى في ذلك الوقت بأنها من قبائل نجد. إلا أن مجريات الأمور فيما بعد في مؤتمر العقير (والترضيات) التي قدمها الإنجليز له أنهت ذلك الخلاف كما سنرى.

لدينا مصدران للمعلومات عن ذلك المؤتمر، المصدر الأول هو الكولونيل ديكسن (كان ديكسن معتمد بريطانيا في البحرين قبل ذلك ثم نقل إلى مهمة سياسية أخرى في العراق وتم تعيينه في عام 1929 معتمدا لدولته في الكويت) الذي حضر المؤتمر وقد جاء مبعوثاً خاصاً لبريطانيا في البحرين وهمزة الوصل بين بريطانيا وابن السعود حيث لم يكن لبريطانيا ممثل دائم في نجد أو في الإحساء والمصدر الثاني هو الكاتب اللبناني الأمريكي الجنسية أمين الريحاني (للمزيد من التفاصيل راجع ملوك العرب وتاريخ نجد للريحاني - والكويت وجيرانها للكولونيل ديكسن - صفحة 280). وقد حضر إلى العقير من البحرين قبل انعقاد المؤتمر بأيام قليلة كما يذكر في كتابه ملوك العرب. وكان الغرض الواضح من عقد المؤتمر هو تسوية مشاكل الحدود بين سلطنة نجد وملحقاتها -كما كانت تسمى في ذلك الوقت- وبين العراق وشرق الأردن بالدرجة الأولى حيث كثرت تعديات (الإخوان) على حدود العراق و الأردن. أما موضوع الكويت فمن سير الأحداث سنرى أنه كان ثانوياً على الأقل بالنسبة للأطراف الأخرى ويظهر ذلك من أن ممثل الكويت الوحيد في ذلك المؤتمر كان المعتمد البريطاني الميجر مور أما أعضاء الوفود الأخرى فكانت عن العراق المندوب السامي السير برسي كوكس والسيد صبيح نشأت وزير الأشغال والمواصلات والشيخ فهد الهذال شيخ مشايخ عنزة الذي كان لوجوده مغزى من قبل العراق ويقول الريحاني إن السلطان ابن السعود استاء كثيراً عندما علم بوجود فهد الهذال مع الوفد وقد أكد هذا ديكسن ومن حق ابن السعود أن يغضب إذ كيف يدعي تبعية قبيلة عنزة له وهذا هو شيخ المشايخ جاء مع وفد العراق لإثبات عراقيته أما وفد ابن السعود فكان برئاسته وعضوية الدكتور عبدالله الدملوجي وعبداللطيف باشا المنديل ثم أمين الريحاني الذي كان يقوم بمهمة الترجمة في بعض الأحيان كما يقول.

بدأ المؤتمر أعماله في 28 نوفمبر 1922 وانتهى في الثاني من ديسمبر (كانون الأول) 1922 وحسب قول ديكسن فإن الذي حدد الحدود هو السير برسي كوكس أما دور ديكسن والميجر مور ممثل الكويت وعبدالله الدملوجي ممثل السعودية فكان ثانوياً وأن برسي كوكس اعتمد على الولاء القبلي عند تحديد الحدود. وذلك بعد جدل عقيم استمر طيلة فترة الاجتماع ووصل حد السخف كما يقول ديكسن حيث كانت الكلمة الأخيرة الفاصلة إلى ممثل بريطانيا الأول السير برسي كوكس. ومن هذا نستنتج أن الحيف الذي لحق بالكويت كان معداً له من قيل وإلا فلماذا لم يدع الشيخ أحمد الجابر شيخ الكويت إلى المؤتمر وهو صاحب الشأن الأول في تقرير مصير بلاده. ولنعود لأول فصول هذا البحث حيث ذكرنا فيه أنه في عام 1919 اتفقت بريطانيا وابن السعود على إعادة النظر في الحدود الكويتية السعودية والتي تم تحديدها في عام 1913 كما مر ذكره. ويذكر ديكسن بعد مؤتمر العقير، توجه برسي كوكس إلى الكويت ومعه الميجر مور معتمد بريطانيا في الكويت وتوجه ديكسن والوفد العراقي على متن باخرة تجارية أنزلته في الكويت ثم واصل الوفد العراقي الطريق إلى البصرة وفي اليوم التالي ذهب السير برسي كوكس والمعتمد البريطاني إلى الشيخ أحمد وكان ديكسن يقوم بمهمة السكرتير في الاجتماع وهناك فجر برسي كوكس الأخبار السيئة للشيخ أحمد وكانت صدمة عنيفة له وعندما احتج الشيخ أحمد على هذا الاتفاق ولماذا لم يستشار في مثل ذلك الأمر الهام، كان جواب كوكس أنه في تلك المناسبة التي رافقها سوء الطالع كان السيف أمضى من القلم وأنه لو لم يتنازل عن تلك الأراضي سلماً فان ابن السعود قد يأخذها عنوه وربما أخذ أكثر مما تم التنازل عنه وهكذا وجد الشيخ أحمد نفسه أمام الأمر الواقع ولم ينس هذه الإساءة من الإنجليز طيلة فترة حياته ولكن قبل وفاته بقليل في عام 1955 اتفق مع ابن السعود على إعطاء امتياز المنطقة المحايدة لشركة أمريكية وقد قام بذلك لتقوية الصداقة بينه وبين ابن السعود الذي وجد صداقته وتأييده أهم من صداقة البريطانيين الذي كان ميلهم لإسرائيل قد أثار سخط العالم الإسلامي والعرب وكان هو شخصياً من ضمن الساخطين (الكويت وجيرانها).

أبو فالح
07-03-2008, 06:39 AM
تجاوزات (الإخوان) ومؤتمر الكويت ثم ثورة زعماء الإخوان

من الواضح و الجلي أن السلطان عبدالعزيز بن سعود (كان الملك عبدالعزيز عند توليه السلطة الدينية والدنيوية في بداية عهده يلقب بالإمام تمشيا مع عادة آبائه وأجداده. ويقول الريحاني انه عندما قرر مؤتمر القاهرة عام 1921 ترشيح الأمير فيصل بن الحسين ملكاً على العراق، عقد في الرياض مؤتمر حضره الزعماء والرؤساء وقرروا أن يتخذ حاكم نجد لقب (سلطان) وكتب ابن السعود بذلك إلى المندوب السامي في العراق يخبره بما تم ويرجو أن يكون ذلك مستحسنا لدى الحكومة البريطانية البهية. وقد اعترفت الحكومة البريطانية في 22 أغسطس (آب) لابن سعود ومن يخلفه من ذريته بلقب سلطان - (تاريخ نجد - صفحة 249) - وفي 10 يناير (كانون الثاني) 1926 نودي بالسلطان عبدالعزيز ملكاً على الحجاز وسلطانا على نجد وتوابعها وفي 23 سبتمبر (أيلول) 1932 توحدت البلاد تحت اسم المملكة العربية السعودية) فاز بحصة الأسد في مؤتمر العقير، فقد ضمنت المعاهدة له حدوداً واضحة مع العراق والكويت أما في الشمال وخاصة المنطقة التي تسكنها قبيلة الرولا برئاسة نوري شعلان والتي هي أحد فروع قبيلة عنزة فكانت في ذلك الوقت تحت النفوذ الفرنسي المسيطر على سوريا وباديتها حتى الجوف وقريات الملح. وقد ضمها ابن السعود إلى مملكته بتأييد من بريطانيا وتعينت الحدود مع شرق الأردن في عام 1925.

وهكذا نرى توسع المملكة بعد أن كانت مقيدة بموجب اتفاقية دارين مع البريطانيين والتي تم عقدها في الثاني من كانون الأول (يناير) 1915 حيث نصت المادة الأولى من المعاهدة بأن الحكومة البريطانية تعترف وتقبل أن نجداً والإحساء والقطيف وجبيل وملحقاتها التي تعين هنا والمرافئ التابعة على سواحل خليج (العجم) هي تابعة للأمير ابن السعود وآبائه من قبل -والمعاهدة كما أشرنا من قبل مشابهة في نصوصها الأخرى للاتفاقيات المعقودة بين بريطانيا وإمارات الخليج-. وقد أبدلت هذه الاتفاقية في عام 1927 بما يسمى باتفاقية جدة.

يذكر عبدالعزيز الرشيد بأنه في رمضان 1342 هجم ابن حثلين والفقم على أطراف الكويت ونهبوا من عربانها ورعاتها ما نهبوا وقد أرسل الشيخ أحمد (نزال) أحد رجاله ليشرح لابن سعود تفاصيل الغارة وقد اهتم ابن السعود بهذا الأمر وكتب للشيخ أحمد يعتذر عما حدث ويقول ديكسن بأن ابن السعود ذكر له عند اجتماعه به في العقير بأنه أصبح من الصعب عليه السيطرة على البدو وكبح جماح غاراتهم كما أخبره بأنه -أي ابن السعود- أعدم بعض الإخوان بسبب هذه التجاوزات وذكر له كيف أن بعض طائفة الشيعة في الحسا والقطيف منعوا من التدخين حتى في بيوتهم وحضور المواسم الدينية قي الحسينيات كما قتل الإخوان بعض الشيعة في القطيف الذين خالفوا أوامرهم. وفي مكان آخر يذكر ديكسن أن ابن السعود ضد تطرف الإخوان وهو يريد تأسيس دولة وقد وضع نظاماً لإسكان البدو في مناطق سكنية تبعدهم عن حياة البداوة ولكنه يضطر أحياناً لمجاراتهم تحقيقاً لأهداف معينة، ثم يذكر عن تعصب أولئك (الإخوان) فيقول:

"إن من تعصب (الإخوان) أنهم لا يردون تحية السلام على غير (الأخ) وكان بعض الإخوان إذا صادفوا جماعة من غير مذهبهم من أهل الخليج أو أهل العراق أو من الأوروبيين غطوا وجوههم بيدهم حتى لا يتدنسوا بذلك المنظر.. وكانت هذه العادات ظاهرة للعيان وعندما كنت في الهفوف عام 1920 كان بعضهم يغطي وجهه حتى لا يراني ولما دخلت مجلس ابن السعود غادر جماعة من شيوخ الإخوان المجلس وقد غطوا وجوههم جميعاً وقد سمعتهم يرددون اللعنات لي بالرغم من كوني ضيف الإمام".

ويقول الشيخ حافظ وهبة في كتابه الجزيرة العربية في القرن العشرين:

"لقد تشرب هؤلاء بكثير من المبادئ والتعاليم الناقصة حتى اعتقدوا أنها الدين وأصبحوا يعتقدون أن لبس العمامة هو السنة وأن لبس العقال من البدع المنكرة بل غالى بعضهم فجعله من لباس الكفار ويجب مقاطعة لابسه وكانوا يعتقدون أن الحضر ضالون وأن المشايخ مقصرون ومداهنون لابن السعود وقد كتموا الحق عنه وقد نال بعضهم من الإمام عبدالعزيز فرموه بموالاة الكفر والتساهل في الدين. أما شده الإخوان في مكة فحدث عنها ولا حرج فلم تكن أية هيبة للحكومة فكل ما يعتقده (الأخ) منكراً يزيله بنفسه وكثيراً ما كان الملك ابن السعود ينزل على رأيهم اتقاء للفتنة وفي سنة 1926 اضطر الملك أن ينزل على رأيهم في إيقاف تلغراف المدينة اللاسلكي وهدم بعض المساجد المقامة على القبور لأنه لم يكن يسعه غير ذلك (الجزيرة العربية في القرن العشرين صفحة 286) وكانوا يعتقدون أن غزو المجاورين واجب وأنه ألقى عليهم هذا الواجب من قبل الله فلا يسمعون أحداً في منع الغزو.

ثم عقد في الأرطاوية إجتماع حضره في رؤساء الإخوان من مطير وعتيبة والعجمان تعاهدوا فيه على نصرة الدين والجهاد في سبيل الله ثم أنكروا صراحة على الملك عبدالعزيز الآتي:

1. إرساله ولده سعود إلي مصر.

2. إرساله ولده فيصل إلى لندن بلد الشرك.

3. إستخدام السيارات والتلفونات والتلغراف.

4. الضرائب الموجودة في الحجاز ونجد.

5. الاحتجاج على الإذن لعشائر العراق وشرق الأردن بالرعي في أرض المسلمين.

6. الاحتجاج على منع المتاجرة مع الكويت، لأن أهل الكويت، إن كانوا كفاراً حوربوا وإن كانوا مسلمين فلماذا المقاطعة.

7. النظر في شيعة الإحساء والقطيف وإجبارهم على الدخول في دين أهل السنة و الجماعة (نفس المصدر ص 291).

ولندع السلطان عبدالعزيز يكابد مشكلة الإخوان التي أصبحت في آخر الأمر سيفا ذا حدين فطوراً معه وطوراً ضده كما سنرى في فصول قادمة ولنعود إلى المؤتمر الذي عقد في الكويت وأهميته وفشله في تحقيق الأهداف التي عقد من أجلها.



مؤتمر الكويت

تم عقد المؤتمر في شهر ديسمبر (كانون الأول) من عام 1923 م وكان الغرض منه تسوية الخلاف بين السعودية من جهة وبين الحجاز والعراق وشرقي الأردن من الجهة الثانية وقد رتبت المؤتمر الحكومة البريطانية لما لها من صلة وثيقة بجميع الأطراف المعنية فقد كان المؤتمر برئاسة الكولونيل نوكس ممثل بريطانيا في الخليج وكان مقره في بوشهر في ذلك الوقت وحضر ممثلو وفود ثلاث دول ولم يحضر ممثل الحجاز حيث كانت حجة الملك حسين بأنه ما دام بعض أراضيه محتلة من قبل ابن السعود فانه لن يرسل أي مندوب، والمقصود بالأراضي الحجازية المحتلة هي تربة والخرمة وخيبر التي احتلها ابن السعود عام 1919م. وقد استمرت الجلسات بين المراجعات والتأجيل حتى الأشهر الأولى من عام 1924م ويقول الشيخ حافظ الذي حضر المؤتمر أن السبب الحقيقي في فشل المؤتمر هو صلابة الملك حسين وتعسفه وعدم وقوف الأشراف في العراق وشرق الأردن على حقيقة الحال في نجد ثم يقول إن أحد أعضاء الوفد الأردني وهو إبراهيم هاشم أخبره أنه سمع في بغداد أن عمر سلطنة نجد لن يتجاوز ستة أشهر وقال له أحد الضباط ربما أقل ولهذا فقد كانت شروط الدول الثلاث وهي العراق والأردن والحجاز عودة الحدود النجدية الى ما قبل عام 1919 أي التخلي عن منطقة حائل ووادي سرحان والجوف وغيرها من المناطق الشمالية. التي احتلها ابن السعود وضمها الى مملكته. ويذكر الريحاني أن الملك حسين وهو في أوج مجده أبى أن يشترك في المؤتمر ونفذ إرادته في ممثلي حكومتي نجليه فحالت السياسة الهاشمية دون الاتفاق مع سلطان نجد (يذكر المؤرخ المعروف أمين سعيد في كتابه "أسرار الثورة العربية الكبرى ومأساة الشريف حسين" ص 311 بالنص "لقد اعتقد الحسين عقب استسلام حامية المدينة وجلاء الترك نهائياً عن الحجاز وتفرده بالحكم فيه أن باستطاعة القوة التي كانت تقيم على حصار المدينة أن تكتسح حدود نجد الغربية وتواصل تقدمها بدون عناء حتى الرياض والهفوف فتطفئ نور النهضة التي أوقدها الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل وترفع علم الحكومة الهاشمية على شاطئ الخليج العربي". ثم يضيف "وسعى الانجليز سعيا حثيثاً متواصلاً سواء في إبان الحرب وبعد ختامها للتوفيق والتقريب بين صديقهما وإزالة ما هنالك من خلاف وفتور فكانوا يصطدمون بتشدد الحسين ورغبته في التفوق") ويصف الريحاني مشهد الملك حسين عندما وصل الى عمان في 17 يناير (كانون الثاني) 1924 م وكانت مسألة الخلافة تشغل العالم الإسلامي بعد أن طرد الكماليون الخليفة العثماني فيقول كان غرض الملك حسين جس نبض العالم العربي والإسلامي. لقد شاهد جلالته في المحطة مشهداً فريداً مجيداً. كانت هناك الوفود و الجموع في الانتظار، وفود سورية و فلسطين ومشايخ العربان ورجال الحكومة من عرب وإنجليز، والصحافيون من مصر والقدس والشام وبيروت. وعندما أطل جلالته من القطار رفع الناس أصواتهم هاتفين ليحيى ملك العرب! ليحيى المنقذ الأعظم واصطف التلاميذ والجنود والفرسان حتى الطائرات البريطانية شاركت في ذلك الاحتفال الفريد ثم صعد الخطباء والشعراء مهددين الإنجليز والفرنسيين بل الأوربيين أجمعين! ثم قابل جلالته الوفود وقال أنه لا يتنازل عن مبدأ واحد من المبادئ التي هي أركان النهضة (لا أتنازل عن حق واحد من حقوق البلاد، لا أقبل أن تكون فلسطين إلا لأهلها العرب، لا أقبل بالتجزئة ولا أقبل بالانتداب ولا أسكت وفي عروقي دم عربي عن مطالبة الحكومة البريطانية بالوفاء بالعهود التي قطعتها للعرب، وإذا رفضت الحكومة البريطانية بالتعديل الذي أطلبه فإني أرفض المعاهدة كلها، أقول المعاهدة كلها. لا أوقع المعاهدة قبل أن آخذ رأي الأمة. إني عامل دائماً في سبيل الاتفاق مع أمراء العرب. إني عامل دائماً في سبيل الوحدة العربية ولا فرق عندي إذا كان مركز الحكومة العربية في الحجاز أو في سورية أو في العراق أو في نجد. وفي وسط هذا الحماس والتصريحات المدهشة أقيمت المآدب والاحتفالات وبعد الاجتماعات الخاصة برؤساء الوفود وكبار الموظفين البريطانيين نودي بالملك حسين بن علي خليفة للمسلمين وأمير للمؤمنين فبايعه السوريون والفلسطينيون وفريق من العراقيين وبعدها عاد الى مكة حاملاً لقب أمير المؤمنين وخليفة المسلمين (تاريخ نجد للريحاني - صفحة 293).

أبو فالح
07-03-2008, 06:39 AM
قدرون وتضحك الأقدار:

في هذه الفترة كان ابن السعود يجتمع في الرياض بزعماء القبائل وكانوا يطالبون بالسماح لهم بالحج وحدثت عدة اجتماعات حضرها رجال الدين وأخيراً قرروا الحج طوعاً أو كرهاً (ظل أهل نجد خمس سنوات لم يتمكنوا فيها من أداء فريضة الحج أي منذ اشتداد الأزمة مع الشريف حسين بعد احتلال تربة عام 1919).

لقد أثبتت معركة تربة شدة بأس الإخوان وتصميمهم على القتال بعكس قوات الشريف التي عمتها الفوضى منذ بدأت المعركة فولت الأدبار. يقول الشيخ حافظ لم يكن لجلالة الملك ابن السعود أي فكرة في غزو الحجاز وفتحه حتى سنة 1923 م أولا لأنه لم يكن واثقا تمام الوثوق بإمكان تغلب قواته على الحجاز وثانياً لأنه لم يكن واثقاً من موقف الحكومة البريطانية ويحق له أن يحسب لموقفها ألف حساب فهي التي أرغمته على الرجوع الى نجد بعد معركة تربة حيث اعتبرت اعتدائه على الحجاز عملاً عدائياً موجهاً ضدها.

أما الآن فقد تبدل الموقف فالملك حسين يرفض المعاهدة التي عرضتها عليه بريطانيا وتصريحاته النارية المتطرفة التي أعلن عنها في عمان وقبوله أن يكون خليفة للمسلمين دون استشارة غالبية المسلمين. ويقول ديكسن أن عجرفة الملك حسين والأخطاء التي ارتكبها عجلت في سقوطه (كان الملك عبدالله بن الحسين أحد المتفاوضين مع السلطات البريطانية حول صيغة المعاهدة بين البريطانيين وبين والده الملك حسين وقد أشار في مذكراته الصفحة 31 فيقول لقد زارني المندوب السامي في فلسطين هربرت صموئيل وقال لي أن الكولونيل لورانس العائد من جدة سيزورك ومعه حداد باشا. فإذا توفقتم لإتمام المعاهدة الإنجليزية الحجازية فسيكون المجال واسعاً لأعمال تعود بالخير عليكم وعلينا. ثم يضيف ان جاء لورانس وحداد وكان رئيس الديوان الأمير عادل ارسلان فتمت المعاهدة الحجازية الإنجليزية بعد أن فوضني المرحوم الوالد للمذاكرة بما يجعل الأمل ملؤه التوفيق. وكانت أن أثرت الجهات العربية الفلسطينية على جلالة الوالد فرفض إبرامها قبل أن يلغي وعد بلفور. فكانت هذه أن أدت إلى العقم في إيجاد تفاهم حقيقي بين بريطانيا وصاحب الثورة بعد الحرب.

ويقول المؤرخ أمين سعيد في هذا المعنى "لقد كان الحسين ذا عقلية بدوية محافظة لا تعرف المجاملة ولا تؤمن بأنصاف الحلول ولا تكذب ولا تداري، تتمسك بما تعتقد أنه الحق مع صلابة في الرأي وشدة وحزم وتحفظ نحو الأجانب وقلة الثقة بهم. وشتان ثم شتان بينه وبين الذين كتب عليه أن يعاملهم ويتصل بهم من الموظفين الإنجليز الذين شبوا وشابوا في مكاتب السياسة ودهاليزها).



فتح الحجاز

إن فشل مؤتمر الكويت في حل مشكلة الحدود هيأ الفرص المواتية لابن السعود وجاء بعدها الخلاف الحاد بين الملك حسين والبريطانيين ورفضه توقيع المعاهدة معهم ثم المناداة به خليفة للمسلمين ومنع أهل نجد من أداء فريضة الحج، هذه الأسباب كلها مجتمعة أعطت الفرصة لابن سعود ليتصرف ويوجه ضربته القاضية. فاتح السلطان عبدالعزيز بعض زعماء القبائل الذين جاءوا لمعايدته بعيد الأضحى بموضوع غزو الحجاز فهشوا وبشوا للمشروع كما يقول الشيخ حافظ - لأنهم سيطهرون بيت الله من البدع وسيغنمون الغنائم و الأموال وقد ذاقوا حلاوتها في تربة كما سيغنمون أجر الجهاد وما أسهل استعداد البدو للغزو. ويقول ديكسن إن فتح الحجاز تم بأسرع ما كان يتوقع ابن السعود فقد احتل الإخوان الطائف في سبتمبر 1924م وفي 5 أكتوبر تنازل الملك حسين عن العرش لابنه الملك علي وقد دخل الإخوان مكة في شهر ديسمبر والتجأ الملك علي إلى جدة حيث ظل محاصرا فيها لمدة سنة وانتهى الحصار في 22 ديسمبر 1925 وظلت المدينة المنورة محاصرة عشرة أشهر حتى 5 ديسمبر 1925م (الجيش الذي حاصر المدينة واحتلها كان بقيادة فيصل الدويش) حيث لجأ الملك علي عند أخيه فيصل بالعراق والملك حسين انتقل إلى العقبة ومنها الى قبرص (لقد أقام الملك حسين في العقبة أثناء حصار جدة من قبل القوات السعودية وأخذ يمد القوات المحاصرة في جدة بالمؤن والذخائر عن طريق البحر بالتعاون مع نجله الأمير عبدالله أمير شرق الأردن وقد احتج السلطان عبدالعزيز عند السلطات البريطانية على ذلك التصرف وهدد بمهاجمة العقبة وشرق الأردن مما اضطر الإنجليز على نقل الحسين منفياً إلى جزيرة قبرص في 27 يونيو (حزيران) 1925 بإحدى البوارج الحربية وقد انتقل إلى رحمة الله في عام 1931) وهكذا انتهت مأساة البيت الهاشمي في الحجاز ونودي بالسلطان عبدالعزيز ملكاً على الحجاز في 25 جمادى الثانية 1344هـ 15 يناير كانون الثاني 1926م كما سبقت الإشارة الى ذلك.



مشاكل الملك عبدالعزيز مع الإخوان

يقول الشيخ حافظ وهبة عن الملك عبدالعزيز "وإن لم يرغب في الإعتداءات على البلاد المجاورة المشمولة بالنفوذ الإنجليزي أو يشجع عليها فانه لم يكن يكره ذلك فما دام الإخوان يخضدون شوكة الأعداء ويعودون بالغنائم سالمين. وما دام الأعداء يسعون للقضاء عليه وعلى دولته فلا بأس من تركهم والإخوان يتصارعون (جزيرة العرب في القرن العشرين صفحة 258). ومع مرور الزمن واستفحال أمر الإخوان لا سيما بعد احتلالهم الحجاز قويت شوكتهم وقد أشرنا إلى الفقرات السبع التي أنكروها عليه واستمرت اعتداءاتهم على الجيران ولم يسلم أهل نجد من تلك الاعتداءات كما سنرى، فأعد الملك عبدالعزيز العدة لوضع حد لتلك التجاوزات التي يقودها الزعماء الثلاثة فيصل الدويش رئيس قبيلة مطير وسلطان بن حميد رئيس قبيلة عتيبة وضيدان بن حثلين رئيس قبيلة العجمان وقد استمرت اعتداءاتهم على العراق والكويت. واستفحل أمر هجمات بعض عشائر مطير على العراق والكويت وقد أرسل الشيخ أحمد احتجاجاً إلى الملك ابن السعود الذي بدوره أرسل الشيخ حافظ وهبة إلى الكويت في الثامن من ديسمبر 1927م حيث قابل المعتمد البريطاني الميجر مور ليخبره بأنه تلقى برقية من ابن سعود لإيصالها الى فخامة المندوب السامي في العراق مخبراً إياه بحراجة الموقف في نجد وأن بعض فصائل الإخوان توجهت شمالاً خلافاً لأوامره كما سلم الشيخ حافظ الى الشيخ أحمد إنذاراً مماثلاً وفي صباح اليوم التالي حلقت ثلاث طائرات من سلاح الجو البريطاني فوق المنطقة المحايدة العراقية فتعرضت لنيران حامية من بنادق بعض راكبي الجمال الذين قدر عددهم بحوالي ثلاثمائة وقد جرح أحد مأموري اللاسلكي وقد ردت الطائرات على القوة المعتدية بنيران رشاشاتها. كما أرسلت طائرات أخرى من منطقة البصية وحيث شاهدت مجموعة من الرجال والجمال يقدر عددها بحوالي ستمائة متجهة جنوباً وقد هاجمتها بنجاح وقد سبق لهذه المجموعة أن هاجمت بعض الرعاة من بدو الظفير والمنتفق وكان المعتدون هذه المرة وكما في الماضي من قبيلة مطير. وفي الثاني والعشرين من شهر ديسمبر عبر فيصل الدويش الحدود العراقية وهاجم بعض القبائل العراقية وهاجم قبيلة عبده من شمر والحق بهم خسائر فادحة. إن هذه الاعتداءات المتكررة وبهذا الوزن تحدياً لأوامر ابن السعود أثارت الإشاعات حول الوضع في نجد ومنها أن قبيلة عتيبة ربما تكون ضالعة في هذا التمرد (ديكسن - الكويت وجيرانها صفحة 289-290).



معركة الرقعي

وفي مساء 27 يناير (كانون الثاني) 1928 وصلت الأخبار إلى الكويت بأن علي بن عشوان من أولاد واصل أحد فروع بريه من مطير ترأس قوة مؤلفة من ثلاثمائة وخمسين من راكبي الجمال وخمسين خيالا هجموا على جماعة من عريبدار من بدو الكويت في منطقة أم الرويسات التي تقع على بعد 38 ميلاً شمالي غربي الجهراء وقتلوا ثلاثة رجال منهم ونهبوا كمية لا يستهان بها من الجمال والأغنام. وحال سماع هذه الأخبار تم تجهيز كل ما وقعت عليه اليد من السيارات وملئت بالرجال المسلحين وأرسلت إلى الجهراء من الليلة نفسها وأعطيت لها التعليمات بمواصلة سيرها الى الرقعي (الركعي) التي تبعد بحوالي تسعين ميلاً الى الجنوب الغربي وذلك بقصد قطع خط الرجعة على المعتدين. وفي الساعة الرابعة والنصف من مساء يوم الثامن والعشرين من الشهر المذكور وصلت خمس عشرة سيارة من بين خمسة وعشرين أرسلت لهذه الغاية الى (الركعي) وهو عمل يستحق التقدير. حيث لم تكن توجد طرق بين الجهراء والمكان المقصود وكانت السيارات محملة بالرجال بأكثر من طاقتها بكثير -تسعة في كل سيارة في بعض الحالات- وبما أن عدد الكويتيين لم يزد على الخمسة والسبعين إلا أن تسليحهم كان جيدا وكذلك كان وجود السيارات عاملاً جديداً في حرب الصحراء في ذلك الوقت وكانت النتيجة أن القوات الكويتية أوقعت خسائر فادحة بالمعتدين واستردت قسماً كبيراً من المنهوبات وكانت إصابات الكويتيين طفيفة بما فيهم قائد الحملة الشيخ علي الخليفة الصباح الذي أصيب بجروح بالغة.

وبينما كانت المعركة على وشك الانتهاء كان الشيخ علي السالم الصباح -ابن المرحوم الشيخ سالم- المشهور بالشجاعة وحماسة الشباب قد وصل متأخراً بسبب عطل في سيارته وقد تأثر لعدم مشاركته في القتال فأصر على ملاحقة المعتدين تحدياً للنصائح التي وجهت إليه، وكانت النتيجة أنه وجماعته حوصروا بمنطقة الباطن وظلوا يقاتلون حتى نفذت ذخيرتهم وكان مصيرهم القتل بعد استسلامهم. وقي اليوم التالي استطاعت القوات الجوية البريطانية تحديد موقع المعتدين وهاجمتهم بالرشاشات والقنابل ثم أعادت الكرة عليهم يوم 30 وألحقت بهم خسائر في كلا الحالتين (لقد سألت الشيخ جابر العلي نائب رئيس الوزراء ووزير الإعلام عن دقة التفاصيل التي ذكرها ديكسن عن المعركة التي استشهد فيها والده فأكد لي الشيخ جابر صحة ما ذكره ديكسن وأنه سمع هذه التفاصيل من بعض الرجال الذين اشتركوا في المعركة المذكورة "المؤلف") ديكسن -الكويت وجيرانها-.



مؤتمر الرياض

وفي خضم هذه الفوضى على الحدود بين العراق ونجد من جهة ونجد والكويت من جهة ثانية وما رافقها من أعمال نهب وسلب وقتل من جانب فيصل الدويش وحلفائه من زعماء البادية قرر الملك عبدالعزيز بحكمته وبعد نظرة أن يلجأ إلى العلماء والرؤساء ليعرف وجهة نظرهم ومدى تأييدهم أو معارضتهم له فغادر جدة متوجهاً الى الرياض فوصلها في ديسمبر 1928 م وأمر بعقد المؤتمر النجدي -أو الجمعية العمومية- كما سمتها جريدة أم القرى واجتمعت الجمعية العمومية في أحد أروقة القصر الداخلية وكان عدد الحاضرين نحو ثمانمائة من علماء ورؤساء حضر وبدو ولم يحضر الدويش ولا ابن بجاد. وقد افتتح الملك المؤتمر بخطبة شرح فيها تاريخه في نجد من بدء استرداده الرياض إلى الوقت الحاضر وأعماله في توحيد الجزيرة وتأمين الطرق والإخاء بين العشائر وبعد أن انتهى من خطبته عرض على الحاضرين تنازله عن العرش ووجوب اختيار غيره من آل سعود. فلم تقبل تلك الجموع تنازله وبايعوه على السمع والطاعة. وكان الملك يرمي من وراء هذا المؤتمر إجماع كلمة النجديين وإثارة حميتهم ضد الإخوان المتطرفين وقد نجح في هذه الناحية نجاحاً تاماً (جزيرة العرب في القرن العشرين - صفحة 294).

Rivaldo
07-03-2008, 09:14 PM
يعطيك آلف آلف عافيه

المحب الصغير
07-08-2008, 01:40 PM
يعطيك العافيه


على الموضوع


وتسلم يمينك



تحياتي